الإفتاء وتتبع الرخص


الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، لأن المفتي موقع عن الله – عز وجل – ووارث الأنبياء عليهم السلام. وقد تضافرت النصوص الكثيرة في خطورة التسارع إلى الفتيا، وحسبنا في ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد كان يسأل عن الشيء فيسكت ولا يجيب حتى ينزل عليه الوحي، وكذلك الصحابة الكرام. – رضي الله عنهم – فقد ضربوا أروع الأمثال في توقيهم الإفتاء والمبادرة إليه.

قال ابن القيم – رحمه الله – (قال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه وقال أبو الحسن الأزدي: ان أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، وقال القاسم بن محمد: والله لأن يقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي به).

وهذا بخلاف ما عليه بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا، فإن كثيراً منهم يتسرعون إلى الفتيا بغير علم، ويأنف أحدهم أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم هذا أو: لا أدري أو يقول: سل عن هذا غيري، ويرون في الإحجام عن الإجابة على السائل غضاضة عليهم، وما علموا أن الخطر العظيم في التسرع إلى الفتيا بغير علم.

وقال المناوي: (كان ابن عمر إذا سئل قال: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمر الناس فضعها في عنقه، وقال: يريدون أن يجعلونا جسراً يمرون علينا إلى جهنم. فمن سئل عن فتوى فينبغي أن يصمت عنها ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها أو كلف الفتوى بها وذلك طريقة السلف).

فإذا كان ابن عمر – رضي الله عنهما – يتورع عن الفتوى مع غزارة علمه وتضلعه في العلم، فما بالنا نرى في هذه الأزمنة الكثير من الناس يتهافتون على الفتيا؟!

لقد كثر كلام السلف – رحمهم الله – في التحذير من الفتيا بغير علم فمن ذلك ما جاء عن ابن سيرين – رحمه الله – أنه قال: لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول بلا علم.

وعن ابن وهب قال: سمعت مالكاً يقول: وذكر قول القاسم: لأن يموت الرجل جاهلاً خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم، فقال مالك: هذا كلام ثقيل ثم ذكر مالك أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – وما خصه الله به من الفضل وأتاه إياه قال مالك: يقول أبو بكر – رضي الله عنه – في ذلك الزمان: لا يدري ولا يقول هذا لا أدري قال: سمعت مالك بن أنس – رحمه الله – يقول: من فقه العالم أن يقول لا أعلم فإنه عسى أن يهيأ له الخير.

وقال محمد بن أبي حرب: سمعت أبا عبد الله وسئل عن الرجل يفتي بغير علم قال: يروي عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: يمرق من دينه.

ورأي رجل ربيعة بن عبد الرحمن يبكي فقال ما يبكيك؟ قال استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، وقال: ولبعض من يفتي هنا أحق بالسجن من السُرّاق.

قال أحمد بن حمدان النمري الحراني: فكيف لو رأى زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته وسوء سيرته وشؤم سريرته وإنما قصده السمعة والرياء ومماثلة الفضلاء والنبلاء والمشهورين المستورين، والعلماء الراسخين، والمتبحرين السابقين، ومع هذا فهم ينهون فلا ينتهون، وينبهون فلا ينتبهون، قد أملى لهم بانعكاف الجهال عليهم، وتركوا مالهم في ذلك وما عليهم فمن قدم على ما ليس له أهلاً من فتيا أو قضاء أو تدريس أثم، فإن أكثر منه وأصر واستمر فسق، ولم يحل قبول قوله ولا فتياه ولا قضاؤه، هذا حكم دين الإسلام والسلام. ولا اعتبار لمن خالف هذا الصواب فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وقال أيضاً: وتحرم الفتوى على الجاهل بما يسأل عنه لما سبق من الحديث وإن كان عارفاً بغيره. وقال سفيان: أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا حتى لا يجدوا بداً من أن يفتوا، وقال: أدركت العلماء والفقهاء يترادون المسائل يكرهون أن يجيبوا فيها فإذا أعفوا منها كان أحب إليهم، وقال: أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها وأجهلهم بها أنطقهم فيها.

وقال المناوي رحمه الله: قال الله تعالى {آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أم عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ} (59) سورة يونس قال الزمخشري: كفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسأل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيها وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله تعالى. انتهى.

وقال ابن المنكدر: المفتي يدخل بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يفعل فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر. كان ابن عمر إذا سئل قال اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمر الناس فضعها في عنقه وقال: يريدون أن يجعلونا جسراً يمرون علينا على جهنم، فمن سئل عن فتوى فينبغي أن يصمت عنها ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها أو كلف الفتوى بها وذلك طريقة السلف.

وقال ابن مسعود: الذي يفتي عن كل ما يستفتى عنه مجنون، وقال الماوردي: فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها ولا له حد يقف عنده، ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل.

وقال الحكماء: من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم، حسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل فلا عار أن تجهل بعضه وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستحي أن تقول لا أعلم فيما لا تعلم.

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسأل أحدهم عن المسألة فيردها الآخر حتى ترجع إلى الأول.

قال حجة الإسلام: فانظروا كيف انعكس الحال صار المرهوب منه مطلوباً والمطلوب مرهوباً وبما تقرر علم أنه يحرم على المفتي التساهل وعليه التثبت في جوابه، فلا يطلق في محل التفصيل فهو خطأ وإذا سئل عن قائل ما يحتمل وجوهاً كثيرة فلا يطلق بل يقول: إن أراد كذا فكذا.

وأما تتبع الرخص وسقطات العلماء فإنه أمر لا يجوز ويؤدي إلى الانسلاخ من الدين وضياعه، فقد حكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: (دخلت على المعتضد فرفع إلي كتابا لأنظر فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل واحد منهم فقلت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب).

ولقد أخذ بعض من ينتسب للعلم بتتبع بعض الأقوال الشاذة التي لم يسعفها الدليل زعماً منه أن ذلك من قبيل اليسر وسماحة الشريعة، وهذا زعم باطل فإن الواجب على المفتي أن يفتي بالكتاب والسنة سواء وافق أهواء الناس أم لا.

إن لتتبع الرخص من أقوال العلماء مفاسد كثيرة ومنها:

1 – ان تتبع الرخص ينافي قوله تعالى {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ} (59) سورة النساء، إذ إن موضوع الخلاف موضوع تنازع فلا يصح أن يرد إلى أهواء النفوس، وإنما يرد إلى الشريعة.

2 – انه يؤدي إلى الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف.

3 – الاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط.

4 – ترك ما هو معلوم بالدليل إلى ما ليس بمعلوم.

5 – ان تتبع الرخص ميل إلى أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى. والله الموفق.