يقول السائل: استيقظت لصلاة الفجر متأخرًا، فما الطريقة الأنسب لقضاء الصلاة؟
الجواب:
إنَّ الصلاة في وقتها واجبٌ، وأنَّ تعمُّد تأخيرها أو التساهل في ذلك محرم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103] فمَن تعمَّد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها فقد وقعَ في كبيرةٍ مِن كبائر الذنوب، وذهبَ بعضُ أهل العلم إلى أنَّ هذا رِدَّةٌ وكفرٌ -عافاني الله وإياكم-.
أمَّا مَن تساهَل في ذلك فإنَّ أمره خطير، وهو مُرتكِبٌ لإثمٍ -عافاني الله وإياكم- أمَّا مَن لم يتساهَل وفعلَ الأسباب، بأنْ كان يعرِف من نفسه أنه لو تأخَّر في النوم أنه يغلب على ظنِّه أن يقوم، وإذا لم يعرف من نفسه ذلك فإنه يُحاول أن يُبكِّر في النوم لاسيما في مثل هذه الأوقات التي قصُرَ فيها الليل وتقدَّمَتْ فيها صلاة الفجر، فإنَّ مَن لم يعرف من نفسه أنه يستيقظ لو لم يَنَم مُبكِّرًا، فإنه إذا تأخَّر يأثم.
أمَّا مَن عرفَ عن نفسه أنه يقوم وهذا عادتهُ في الغالب، وإن كان قد يحصل خلاف ذلك، فمثل هذا لا يؤثم، لكنه على خطرٍ عظيم، ومَن بكَّر في النوم وفعل الأسباب ثم لم يستيقظ فإنه لا إثم على هذا.
أخرج مسلم من حديث أبي قتادة أنَّ النبي ﷺ قال: «ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على مَن ترك الصلاة حتى يأتي وقت الأخرى».
لكن من حيث الجملة -لاسيما في مثل هذه الأوقات التي قَصُر فيها الليل وتقدَّم فيها وقت صلاة الفجر- ينبغي للمؤمن أن يتقي الله، وأن يفعل الأسباب مِن التَّبكير في النوم وغير ذلك، حتى يتمكَّن مِن صلاة الفجر مع الجماعة، وألا ينام حتى يخرج وقتها.
ومِن ذلك صلاة الليل والوِتر، فمَن غَلَب على ظنِّه أنه يقوم قبل الفجر، فإنه يُؤخِّر الصلاة، وهو أفضل، ومَن لا فليُبادر بالصلاة قبل نومه، أخرج مسلم من حديث جابر أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن خافَ ألَّا يقوم آخر الليل فليُوتر أوله، ومَن طمِع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره، فإنَّ صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل».
ثم لو قُدِّر أنَّ رجلًا لم يُفرِّط لكنه ما استيقظ إلا متأخرًا، فالأفضل لمثل هذا إذا كان مستيقظًا قبل خروج الوقت، أن يقضي ما فاته من صلاة الوتر، وذلك أنَّ وقت صلاة الوتر وقيام الليل من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، وعلى هذا صحابة رسول الله ﷺ، وثبت عند الإمام أحمد من حديث أبي بصرة الغفاري أنَّ النبي ﷺ قال: «صلاة الوتر ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر».
فلذلك إذا استيقظ قبل خروج الوقت فإنه يصلي صلاته التي يصليها العادة إذا كان الوقت مُتِّسعًا، أو يصلي ما يسَّر الله ثم الوتر، ثم بعد ذلك يؤذِّن ويصلي ركعتي الفجر، ثم يصلي صلاة الفجر، وإذا كان عنده في البيت أحدٌ فليُصلِّ صلاة الفجر جماعةً ولو مع زوجته أو مع ولده المُميِّز أو ولده الكبير مِن باب أولى.
أما إذا خرجَ الوقت وهو غير مُفرِّط، فعلى أصحِّ أقوال أهل العلم أنَّ الوقت في حقِّه مُتِّسعٌ إلى أن يقضي صلاة الفجر على صورتها، وأن يقضي ما يتعلق بها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، لما ثبت في مسلم من حديث أنس أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك».
فإذا استيقظ فقد بدأ وقتها، ووقتها يتَّسع لفعل ما كان يفعله، فأول ما يستيقظ يتوضأ ثم يصلي الوتر، ثم يؤذِّن، ثم يصلي ركعتي الفجر الراتبة، ثم يصلي صلاة الفجر، فإنَّ الوقت يتَّسع له، وهذا كالحائض إذا طَهُرَتْ وبقي على الوقت القليل حتى يخرج، أو كانت طهارتها بعد خروج الوقت، فإنَّ الوقت يتَّسع لها أن تغتسل وأن تؤدي الصلاة بسُنَنِها.
فمَن قامَ وقد خرجَ الوقت فيُستحب له أن يُؤذِّن ويصلي ركعتي الفجر، وأن يصلي صلاة الفجر على ما تقدم ذكره، ويدل لذلك أنه ثبت في مسلم من حديث أبي قتادة وأبي هريرة، أنَّ النبي ﷺ في قصةٍ طويلة فاتته الصلاة مع الصحابة صلاة الفجر، فقام فأمر بلالًا فأذَّن، ثم صلى ركعتين، ثم صلى بالصحابة صلاة الفجر جماعةً، فكان الوقت مُتِّسعًا إلى أن يفعل مثل هذه الصلاة، ثم على أصح أقوال أهل العلم أنَّ مَن قام متأخرًا وقد خرج الوقت، فيجب في حقه أن يُبادر بالصلاة وألا يُؤخِّرها.
فلو كان يكفيه إلى أن يتوضأ ويؤذن ويُقيم ثلث ساعة، فيفترض أول ما يستيقظ يفعل ذلك في هذه الثلث ساعة، ولا يجوز له أن يؤخرها إلى بعد نصف ساعة أو ساعة، فإنَّ قضاءها على الفور واجب، وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد لقول الله عز وجل: ﴿وَسَارِعُوْا﴾ وقوله: ﴿وَسَابِقُوْا﴾ إلى غير ذلك من الأدلة.
أمَّا ما جاءَ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا استيقظَ قال: «إنه قد حضرَ الشيطان في هذا الوادي» فأمر الصحابة أن يخرجوا من هذا الوادي وأخَّر الصلاة وهو قد استيقظ بعد خروج الوقت، فيقال: إنَّ مثل هذا قد عَلِمَ النبيُّ أنَّ الشيطان قد حضرَ في هذا الوادي، وغيره لا يمكن له أن يعلم ذلك، وإلا فالأصل أن تُصلى الصلاة في وقتها، فهو أخَّر الصلاة لسببٍ شرعي وهو علمه بأنَّ الشيطان قد حضرَ.
فعلى هذا مَن استيقظ فليفعل ما كان يفعله، ولنفرض أنَّ ما كان يفعله من وترٍ إلى غير ذلك يأخذ منه ثلث ساعة، فإنَّ الوقت يتَّسع له إلى ثلث ساعة، وليُبادر بها، ولا يجوز له أن يُؤخِّر ذلك إلى بعد ذلك.
وأؤكد أنه لابد علينا أن نتقي الله وأن نجتهد في أداء الصلوات كلها في وقتها، وألا نتساهل بالسهر وغير ذلك.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.