أقمت بين أظهرنا عشرين عاما فما نصحتنا


(أقمت بين أظهرنا عشرين عاما فما نصحتنا)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

أما بعد ..

فإن الدكتور أحمد معبد عبدالكريم ( ختم الله لنا وله بالستر والعافية والنجاة من النار) أقام في السعودية نحوا من عشرين عاما، لم يقل يوما: إن عقيدتكم ( عقيدة السلف) باطلة، ولا إن عقيدة الأشاعرة صحيحة، كما لم يقل يوما: ماذا تنكرون على الأشاعرة؟ ولم يقل يوما: من دان بالأشعرية فهو على حق، كمن دان لله بالعقيدة السلفية، وهي ( ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم)

ثم في أحد دروسه في الجامع الأزهر بعد عودته بنحو عقد ونصف، أطلق ( هداه الله) لسانه في السلفية، وعظَّم الأشعرية، وقال كلاما هزيلا لفظا ومعنى ، كان ينبغي لمثله اجتنابه ( ويمكن للقارئ الكريم مراجعة المقطع المنشور على اليوتيوب بعنوان : أسباب انتشار السلفية في مصر)

ولن أدخل في تفصيلات كلامه، ولا ردّ بهتانه، ولكن أنبه على أربعة أمور:
أحدهاأقول للدكتور: لماذا لم تقم بواجب النصيحة وأنت بين أظهرنا؟ أكنت في شك؟ أم كنت مداهنا؟ أم غرّتك الحياة الدنيا؟ أم كنت ماذا؟

الثاني: أهل السنة ( السلف الصالح ) يفارقون الأشاعرة في الأصول والمنهج وقضايا عقدية كثيرة،

وقد ذكرت ذلك في مقال لي مختصر منشور بعنوان ( مباينة الأشاعرة لأهل السنة)، وبيّن ذلك أخونا فضيلة الشيخ فيصل بن قزار الجاسم حفظه الله في كتابه ( الأشاعرة في ميزان أهل السنة)، وحشد فيه النصوص وأقوال العلماء.

وأنا أقول للدكتور ومن كان على شاكلته ممن يزعم صحة التعبد لله بأحد المعتقدين : هل يصح أن يقال: إن من أثبت الصفات لله كما هو ظاهر القرآن والسنة، فأثبت اليد والرحمة والعلو وسائر الصفات ، حقيقة لله، على ما يليق بحلاله وعظمته، مع تنزيهه عن مشابهة خلقه، كمن فوّض المعاني لا الكيفيات وقال: تُمر ألفاظا دون إثبات معانيها، أو قال تؤول عن ظاهرها ( والصحيح أنه تحريف) كما هي طريقة الأشاعرة ( التفويض أو التأويل) ؟

والجواب: أنه لا يصح مطلقا؛ لأنه يلزم منه توارد الإثبات والنفي على محلٍّ واحد، مع تصحيحهما معا، وتصويب معتقدهما، وهذا باطل شرعا وعقلا، كما أن التفويض ( وهو شر من التأويل) يلزم منه أن الله خاطبنا بما لم يرد منّا معرفته! وهذا ترده النصوص التي تحض على تدبر القرآن ، ولم تستثن شيئا!

وقوله: ( عدم التأويل مذهب، والتأويل مذهب) وزعمه أن ذلك كله مذهب السلف، وأنه هو الذي درسه في الأزهر، يدل على أنه لا يعرف مذهب الأشاعرة باتجاهيه التفويضي والتأويلي، كما أنه لا يعرف الفرق بين تفويض الكيفية مع معرفة المعنى ، وهي طريقة السلف، وبين تفويض المعنى وهي طريقة بعض الأشاعرة! وإذا كان كذلك فكيف يتكلم وينبز وهو لا يعرف ؟ سبحان الله!

ودعوى الدكتور أنه لا يُنكَر على الأشاعرة دعوى باطلة، ومخالفة صريحة لما هو معلوم من الشرع في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباب النصيحة، والدعوة إلى الله، ومخالفة لما هو مشهور من طريقة العلماء من الإنكار على كل من خرج عن طريقة أهل السنة والجماعة، لكن الإنكار لا يعني التكفير، فهناك فرق بين المسألتين؛ فليس كل من خالف كفر، والدكتور قد خلط بينهما.

الثالث: ذكر الدكتور في كلامه المقالة الشهيرة لأهل الكلام ومن تبعهم على باطلهم محتجا بها ( طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم) ، وهي مقالة باطلة لترويج باطل، فطريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم؛ لأنها طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولأن السلامة لا تكون إلا بالعلم والحكمة!

فالمقالة المذكورة خطأ في التركيب، باطلة في المعنى، مجهّلة للسلف الصالح رضوان الله عليهم.

الرابع: تقييد انتشار السلفية في مصر بالدعم السعودي شرف وأي شرف! والدكتور أراد الذم، بمعنى أن الذمم قد اشتريت بالأموال، أو أنهم استجابوا تحت الضغط، ولولا ذلك لما انتشرت السلفية! وكلامه هذا فيه:

1- بشرى لأهل السنة بعودة الناس إلى النبع الصافي: كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولزوم طريقة السلف الصالح، والخير كله في ذلك.

2- أن هذه مجرد دعوى، والدعاوى تحتاج إلى بيّنات! فهل البيّنة هذه الحكاية المزعومة؟ بل السلفية انتشرت لكونها حقا، كما قال تعالى: )) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )) .

3- أن اشتراط الدعم للسير على منهج السلف من المناقب وليس من المثالب؛ لأنه تحقيق لقوله تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين)).

4- يوحي كلام الدكتور إلصاق المنهج التكفيري بالمنهج السلفي، وهو يعلم علما يقينيا أن علماءنا من أشد الناس إنكارا على الخوارج وغلاة التكفير، وقد سمع ورأى! ولهذا أقول: لوغيرك قالها يا دكتور أحمدّ!

أسأل الله لنا وللدكتور أحمد الهداية والصلاح، والاستمساك بمنهج السلف، والعض عليه بالنواجذ؛ فإنه الحق الذي لا يشوبه باطل، والهدى الذي لا يخالطه ضلال، واليقين الذي لا يعتريه شك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

عبدالعزيز بن محمد السعيد

الثلاثاء 8/ 12/ 1436هـ