« مَكَانَةُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَحْكَامُهَا وَآدَابُهَا »
« تَعْمِيِمُ الْوَزَارةِ »
محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام
3/2/ 1448
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَأَجَلِّ مَعَالِمِهِ ، وَأَكْبَرِ مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ، صَلَاةَ الْجُمُعَةِ؛ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْمُبَارَكُ الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ، فَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ الجمعة : 9 ]
فَسَمَّى الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ ذِكْرًا، وَأَمَرَ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَتَرْكِ كُلِّ مَا يَشْغَلُ عَنْهَا مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ لَهْوٍ.
عِبَادَ اللَّهِ : إِنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، مُسْتَوْطِنٍ، قَادِرٍ عَلَى حُضُورِهَا، وَلَيْسَتْ نَافِلَةً يَحْضُرُهَا مَنْ شَاءَ وَيَتَخَلَّفُ عَنْهَا مَنْ شَاءَ.
وَقَدْ شَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي التَّهَاوُنِ بِهَا، فَقَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» [ رواه مسلم ]
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : وَمِنْ عَظِيمِ فَضْلِ هَذَا الْيَوْمِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْمُبَكِّرِينَ إِلَى الْجُمُعَةِ أُجُورًا عَظِيمَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ أَيْ تَصَدَّقَ بِبَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَت الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [ متفق عليه ]
فَأَيْنَ الْمُتَسَابِقُونَ إِلَى الْخَيْرَاتِ؟ وَأَيْنَ الْمُبَكِّرُونَ إِلَى الْجُمُعَاتِ؟
وَكَيْفَ يَرْضَى مُؤْمِنٌ أَنْ يَحْرِمَ نَفْسَهُ هَذِهِ الْفَضَائِلَ الْعَظِيمَةَ؟
وَاعْلَمُوا -عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سُنَنًا وَآدَابًا، مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا عَظُمَ أَجْرُهُ ، وَفَازَ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ، مِنْ أَهَمِّهَا:
الاِغْتِسَالُ وَمَسُّ الطِّيبِ وَالتَّجَمُّلُ لَـهَا، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّواحِ إِلَى صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلاَّ غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» [رواه البخاري].
وَمِنْ سُنَنِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَآدَابِهِ: اسْتِحْبَابُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الإِمَامُ يَخْطُبُ! لَكِنَّهُ يُخَفِّفُهُمَا.
وَكَذلِكَ : الإِنْصَاتُ إِلَى الْخُطْبَةِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا» [متفق عليه].
وَقَوْلُهُ: فَقَدْ لَغَا؛ أَيْ: جَاءَ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ مُخَالِفٍ لِلأَمْرِ بِالإِنْصَاتِ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ : اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاحْذَرُوا الاِنْشِغَالَ عَنْ خُطْبَةِ الإِمَامِ بِأَيِّ عَبَثٍ كَانَ ؛ مِنْ مَسِّ الْحَصَى أَوِ السِّبْحَةِ أَوِ الْجَوَّالِ أَوِ السِّوَاكِ أَوْ بِكُلِّ مَا يُلْهِي عَنِ الْخُطْبَةِ.
وَالْحَذَرُ كَذَلِكَ مِنْ تَخَطِّي الرِّقَابِ، وَهُوَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا فِي الشَّرِيعَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ لِلْمُصَلِّينَ وَتَشْوِيشٍ عَلَيْهِمْ ؛ وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ : «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ » [ صحيح أبي داود ]
وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ وَتَرْكِ الصُّفُوفِ الأَمَامِيَّةِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْكَرَاسِي دُونَ الْحَاجَةِ لَهَا .
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَعَظِّمُوا شَعِيرَةَ الْجُمُعَةِ، وَاحْضُرُوهَا بِأَحْسَنِ الثِّيَابِ وَأَجْمَلِهَا ، مُبَكِّرِينَ، مُتَطَهِّرِينَ، مُتَطَيِّبِينَ، مُنْصِتِينَ لِلْخُطْبَةِ، مُقْبِلِينَ عَلَى رَبِّكُمْ بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ، لَعَلَّكُمْ تَفُوزُونَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، وَقَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ بِتَوْفِيقِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِتَأْيِيدِكَ، وَكُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَاصِرًا، وَجَمِيعَ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
