ما المقصود مِن حديث: قال ﷺ: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنمٍ بأفسد لها مِن حرص المرء على المال والشرف لدينه»؟


يقول السائل: ما المقصود مِن حديث: قال ﷺ: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنمٍ بأفسد لها مِن حرص المرء على المال والشرف لدينه»؟

الجواب:

إنَّ هذا الحديث حديثٌ عظيمٌ، وقد اعتنى به العلماء شرحًا وبيانًا، وممن اعتنى به شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى)، بل إنَّ ابن رجب -رحمه الله- قد أفرد رسالةً مستقلةً في شرح هذا الحديث.

وخلاصة معنى هذا الحديث: أنه لو أُرسِلَ ذئبان جائعان في غنمٍ، فإنهما سيُفسدان هذه الغنم إفسادًا عظيمًا، ومع شدة إفساد الذئبين الجائعين للغنم إلا أنَّ حِرص المرء والإنسان على المال والشرف أفسد لدينه مِن إفساد هذين الذئبين للغنم التي أُطلقا عليها وهما جائعان.

هذا يدل على خطورة المال والشرف، والمال معروف، والمراد بالشرف الجاه والمكانة والمنزلة، وهذان الأمران سببان عظيمان لدخول النار، لذلك يقول أهل النار في النار: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 28-29].

فهذا الحديث يُفسِّر هذه الآية العظيمة، والآية والحديث يُبينان أنَّ المال والشرف سببان عظيمان لدخول النار، لذا ينبغي أن يكون المسلم وسطًا في المال، ألا يكون ممن يبخل به وإذا أخذه أخذه بهلعٍ واستشراف نفسٍ، وإنما يسعى في تحصيل المال سعيًا مباحًا ويُنفقه فيما أحبَّ الله مِن واجبات ومستحبات، ثم من مباحات، فيُحسن أخذه ويُحسن إنفاقه.

ومن لطيف ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (الوصية الصغرى) قال: ينبغي أن يكون المال للمؤمن كالخلاء، هو مضطرٌّ إليه ويكره طول البقاء فيه، وهكذا المال، إذا وفق الله العبد المؤمن وكان حاله مع المال كما ذكر شيخ الإسلام فإنَّ هذه منزلةٌ عظيمةٌ، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا من هؤلاء، وألا يجعل قلوبنا متعلقةً بالأموال ولا بالدنيا كلها، إنه الرحمن الرحيم.

وقد أخرج البخاري من حديث حكيم بن حزام -رضي الله عنه- أنه قال: سألتُ النبيَّ ﷺ مالًا فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فقال: «يا حكيم، إنَّ هذا المال حلوٌ خضر، فمَن أخذه باستشراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، ومَن لم يأخذه باستشراف نفسٍ بورك له فيه».

فلذا ينبغي لنا أن نكون وسطًا في المال لا إفراط ولا تفريط، لا في كسبه ولا في إنفاقه، وألا تتعلَّق قلوبنا به، فإنه مِن هذه الحياة الدنيا التي ما أسرع انقضاءها، ويكفي العبرة بالنظر إلى مَن مضى، فقد ذهب الأغنياء والفقراء والملوك والمملوكون، فأسأل الله أن يجعل لنا العبرة.

وقد أخرج مسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: السعيد مَن وُعظ بغيره. وقد قال الله سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].

فهذه عبرةٌ عظيمةٌ أنَّ غاية ما في الحياة الدنيا لعب، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: 60].

لذا العاقل الذي يعرف حقيقة هذه الحياة، ومِن هاهنا -والله أعلم- أنَّ الشافعي قال: لو أنَّ رجلًا أوصى أن يعطي ماله للعقلاء لكان للزهاد. وصدق -رحمه الله-، فإنَّ الزاهد هو العاقل حقيقةً؛ لأنه عرف حقيقة الدنيا فعمل مع هذه الحقيقة، فنحن كثيرًا ما نعلم هذه الأمور، لكن نضعف عند العمل، أما الزاهد قد مَنَّ الله عليه وجمع بين الأمرين، بين العلم والعمل.

فلذا ينبغي أن نكون في المال وفي غيره وسطًا لا إفراط ولا تفريط.

أما الأمر الثاني في هذا الحديث فهو الشرف والمنزلة والمكانة والمناصب، هذه خطيرة للغاية، وهي سبب ضياع كثير من خلق الله، بل إنَّ كثيرًا مِن أهل العلم -فضلًا عن غيرهم- ضلّوا في مثل هذا -عافاني الله وإياكم-.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى) في قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83] قال: الناس في هذه الآية على أصنافٍ أربعة:

الصنف الأول: يريد العلو والفساد، وهذا يكثُر في الملوك والحكام.

الصنف الثاني: يريد فسادًا ولا يريد علوًّا، وهذا في قطاع الطرق والسُّراق.

الصنف الثالث: يريد علوًّا ولا يريد فسادًا، وهذا يكثُر في المتفقهة وأهل العلم.

الصنف الرابع: لا يريد علوًّا ولا فسادًا فيجعل الله العاقبة له، وهم المتقون؛ لأنَّ الله قال بعد ذلك: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أسأل الله أن يجعلني وإياكم من هؤلاء.

فإذن ينبغي الحذر غاية الحذر مِن الشرف والمكانة والمنزلة، ولنعلم أنَّ هذه الأمور فيها إرضاءً للنفس، والنفس أشدُّ عدوًّا لنا، بل إنَّ هلاكنا يرجع إلى أمورٍ ومنها اتباع هوى النفس، لذا امتدح الله مَن لم يُتابع هوى نفسه، قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41].

والشيطان يقول لمن دخل في النار: ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] ويقول سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165].

والجاه والشرف والمنزلة هي إشباعٌ للذة النفس التي هي عدو لنا، فينبغي إخوة الإيمان أن نُجاهد أنفُسنا ألا نتطلَّع لمثل هذا، فإنَّ فيه فتنةً عظيمة، لكن مَن ابتُلي بذلك فليُجاهد نفسه على أن يستعملها في طاعة الله، وأن يقوم بالواجب الشرعي فيها، فإنَّ الأنفاس معدودة، والعمر سريع الذهاب والانقضاء، والسعيد مَن اغتَنَمه حتى يلقى الله رابحًا.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

460_1


Share This Content:
0