يقول السائل: بعض الناس يقول الشيخ الألباني ليس بفقيه، وإنه خالف الإجماع في كثير من المسائل، فما رأيكم؟ وما هي الصفات التي يُعرَف بها الفقيه؟
الجواب:
إنَّ مثل هذا كثُر ذكره من بعضهم، ودوافعهم متعددة، إما أن يكون دافعهم التعصب المذهبي أو أن يكون دافعهم الظلم والبغي الحزبي البدعي الحركي، وإما أن يكون دافعهم المخالفة العقدية بأن يكون القائلون صوفيةً أو أشعريةً أو غيرهم مِن أهل البدع، وإنَّ معرفة كون الرجل فقيهًا يُعرَف بأمور:
الأمر الأول: بآثاره العلمية والفقهية، والعلامة الألباني -رحمه الله- له آثارٌ كثيرةٌ علميةٌ وفقهيةٌ، أذكر بعض هذه الآثار: من ذلك كتابه (أحكام الجنائز)، وكتابه (تمام المنة)، ومنسكه المختصر المفيد، وكتابه (صفة صلاة النبي ﷺ كأنك تراها)، وكلامه الفقهي المفيد للغاية في ثنايا السلسلتين الصحيحة والضعيفة، ومِن ذلك أجوبته الصوتية الكثيرة، فإنَّ فيها مِن المباحث الفقهية والأجوبة العلمية الفقهية الشيء الكثير، فهذا وحده كافٍ في بيان أنَّ العلامة الألبانيَّ -رحمه الله- فقيهٌ مجتهدٌ متميزٌ.
الأمر الثاني: ثناء علماء عصره عليه، وقد أثنى علماء السنة على الألباني ثناءً عطرًا، فمن أميَز علماء العصر في زمنه العلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين، وكلاهما قد أثنيا عليه ثناءً عظيمًا وعطرًا، ما بين مسجل أو مكتوب، بل اللجنة العلمية للإفتاء في الدولة السعودية برئاسة شيخنا ابن باز -رحمه الله- أجابت بجوابٍ مكتوبٍ فيه ثناء عطر على علم الألباني -رحمه الله- وأنه مِن أهل الاجتهاد.
هذا كله يدلُّ على مكانة الرجل وأنَّ علماء عصره كانوا يثنون عليه ويعترفون له بذلك، وممن اعترف له بذلك وأشاد به العلامة العبَّاد مُحدِّث المدينة -حفظه الله تعالى-.
الأمر الثالث: مناظراته العلمية الموجودة في مسجلاته الصوتية، فإنَّ له مناظرات مفيدة في مسائل عدة فقهية، ترى هؤلاء المناظِرين قد استعدُّوا وأعدُّوا العدة وجهَّزوا أنفسهم في مراجعة المسألة وإتقانها، فيجلسون مع العلامة الألباني وهو لا يعرف ما يريدون طرحه، ثم يُناقشونه ويُناظرونه، فيُفنِّد حججهم ويُبيِّن ضعفها، مع أنه -رحمه الله- ما كان مستعدًّا ولا عالمًا بما سيأتون به، وإنما ناظرهم بما في جعبته مِن العلم وبما آتاه الله مِن فطنة، وبنور الوحي.
وهذا مِن العجائب، وقد بلغني عن بعضهم أنه كان مستعدًّا لطرح مسائل فقهية يُخالف فيها الشيخ ناصر الدِّين -رحمه الله-، فلما جلس بين يديه فنَّد كُلَّ ما بين يديه -رحمه الله-، مع أنَّ ذاك قد استعدَّ استعدادًا كبيرًا، أما العلامة الألباني فناقشه ببداهة وقد تكون المسألة التي أُثيرت معه وعهده بها من سنين طويلة.
فالمقصود هذا بيِّنٌ وظاهرٌ في أنه فقيهٌ متميزٌ -رحمه الله-.
وفي ختام هذا الجواب المختصر أُنبه إلى أمور:
الأمر الأول: أنَّ الألباني -رحمه الله- مِن مزاياه وأصولِه وأُسسه التي يُرددها كثيرًا أنه لابد مِن الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة، فهو داعية اتِّباع، بل هو مجددٌ -رحمه الله- في الدعوة إلى السلفية والانتساب إليها، كما أنه مجددٌ في ضبط الجهاد على طريقة أهل السنة بلا إفراطٍ ولا تفريط، وهو مجددٌ في علم الحديث، ومجددٌ في ضبط التكفير بلا إفراطٍ ولا تفريط، ومجددٌ في ضبط قواعد البدع الإضافية، إلى غير ذلك مِن أبواب الدِّين -رحمه الله-.
ومع ذلك قد يُؤصِّل العالم أصولًا مثل هذه، -أي ألا يأتي بقول جديد لم يُسبَق إلى ذلك- وقد يقع، وحصل هذا لكثيرٍ من العلماء المجتهدين، فإذا وقع منه شيء من هذا فلا يُقال إنَّ عنده أقوالًا مُحدَثة فيُحذَّر الناس مِن علمِه وفقهِه، فإنَّ العالم مهما بلغ مِن العلم بشر يُخطئ ويُصيب.
فالمقصود إذا حصل مِن العلامة الألباني أو مِن غيره مِن علماء الإسلام السابقين، فهذا ليس مَنقصةً لهم، فرقٌ بين مَن يُؤصِّل ويقول بجواز إحداث قولٍ جديد وبين مَن يُحارِب ذلك، وقد يقع خطأً في ذلك، كما قد يقول العالم: إنَّ الأمر يقتضي الوجوب، ثم يأتي في مسائل فيها أمر فيُخطئ ويصرفها إلى الاستحباب بلا صارِف ولا قرينة، ومثل أن يدعو إلى اتباع الدليل واتباع الحديث الصحيح دون الضعيف فيُخطئ فيُورد حديثًا ضعيفًا يظنه صحيحًا، فرقٌ بين التأصيل وبين القيام بذلك عمليًّا، فليس أحدٌ معصومًا.
الأمر الثاني: إنَّ للعلامة الألباني خصومًا كثيرين؛ لأنه مُجدد ومُناصر للدِّين، -وهكذا كل مَن سبقَ مِن أئمة الدين والهدى-، فمن خصومِه أهل البدع مِن الصوفية والأشاعرة، ومِن خصومه الحركيون مِن الإخوان المسلمين والتبليغيين وغيرهم، ومِن خصومِه متعصبة المذاهب، وهكذا -رحمه الله-.
فلذا لا يُستغرَب أن يُلصقوا به هذه التُّهَم وغيرها، فأدعو المسلمين أجمعين أن يتثبَّتوا في كل أحد، لاسيما في عالمٍ جليل كالعلامة الألباني ممن عاداه غيره لأجل دعوته للسنة -رحمه الله-.
الأمر الثالث الأخير: إنَّ العلامة الألباني عالمٌ متميز لا يُشقُّ له غبار، بل هو فريد العصر في علم الحديث -رحمه الله-، وليس معنى هذا ألا يكون فقيهًا، وإذا كان العلامة الألباني متميزًا في الحديث أكثَر مِن تميزه في الفقه لأنه بذلَ فيه جهدًا كثيرًا، فهذا لا يعني بحال أنه ليس فقيهًا، بل قد جمعَ الله له بين هذين الأمرين.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتغمَّده برحمته وأن يرفع درجته في عليين، وأن يجمعنا به ووالدينا وأحبابنا وعلماءنا في الفردوس الأعلى، إنه الرحمن الرحيم.
