الضوابط الشرعية في استخدام التقنية


«الضوابط الشرعية في استخدام التقنية »

«تعميم الوزارة»

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

21/11/ 1447

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: نَعِيشُ فِي زَمَنِ تَطَوُّرِ التِّقْنِيَةِ الْمَعْلُومَاتِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَتِقْنِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، وَهِيَ نِعْمَةٌ ؛ بِاخْتِصَارِهَا بِفَضْلِ اللَّهِ الْمَسَافَاتِ، وَاسْتِثْمَارِ الْأَوْقَاتِ، وَسُهُولَةِ الْمَشَاقِّ، وَمُضَاعَفَةِ الْإِنْجَازَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ لِمَنْ أَحْسَنَ اسْتِخْدَامَهَا، وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهَا، وَشَكَرَ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾  [إبراهيم: 7].

وَمِنْ شُكْرِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ التِّقْنِيَةِ: حُسْنُ اسْتِخْدَامِهَا فِي الْخَيْرَاتِ، وَاسْتِثْمَارُهَا فِي الطَّاعَاتِ، وَالْبُعْدُ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ .

وَمِنْ شُكْرِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ التِّقْنِيَةِ: اسْتِشْعَارُ مُرَاقَبَةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ فِي كُلِّ مَا يُنْشَرُ وَيُقَالُ، وَأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَعْمَالِهِ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ، قَالَ تَعَالَى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ [ آل عمران :5 ]  

وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [ غافر : 19 ]

وَمِنْ شُكْرِ اللهِ عَلَى هَذِهِ التَّقْنِيَةِ : الْحَذَرُ مِنَ اسْتِخْدَامِهَا فِي الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالاِفْتِرَاءِ وَالتَّزْوِيرِ، وَكَذَلِكَ تَزْيِيفُ الصُّوَرِ وَالْمَقَاطِعِ الصَّوْتِيَّةِ وَالْمَرْئِيَّةِ، وَانْتِحَالُ الشَّخْصِيَّاتِ، وَذَلِكَ بِهَدَفِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَنَشْرِ الْمَعْلُومَاتِ الْمُضَلِّلَةِ، وَالْمَسَاسِ بِالسُّمْعَةِ وَالأَعْرَاضِ، وَالإِضْرَارِ بِالأَبْرِيَاءِ، وَتَلْفِيقِ الْفَتَاوَى الْمَكْذُوبَةِ عَلَى أَلْسُنِ الْعُلَمَاءِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ -: « أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمُ ؟ الْمَشَّاؤونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ للْبُرَآءِ الْعَنَتَ» [حسنه الألباني].

وَقَوْلُهُ: البَاغُون لِلبُرَآءِ العَنَتَ؛ أَيِ: الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الْعَنَتَ وَالْمَشَقَّةَ وَالشَّرَّ وَالْفَسَادَ فِي حَقِّ الأَبْرِيَاءِ مِنَ النَّاسِ.

وَالْمُسْلِمُ النَّاصِحُ يَا عِبَادَ اللهِ – يَتَعَامَلُ مَعَ تِقْنِيَةِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ وَغَيْرِهَا مِنَ التِّقْنِيَّاتِ الْحَدِيثَةِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُرَاقَبَتِهِ؛ لأَنَّهُ مُحَاسَبٌ فِيمَا يَكْتُبُ وَيَقُولُ وَيَنْشُرُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ ق: 18].

وَكَذَلِكَ يَتَعَامَلُ مَعَ تِقْنِيَةِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ وَغَيْرِهَا مِنَ التِّقْنِيَّاتِ الْحَدِيثَةِ بِشَكْلٍ مِنَ الِاحْتِرَازِ مِنَ الْعَقَائِدِ الْهَدَّامَةِ، وَالْأَفْكَارِ الضَّالَّةِ، وَالْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ، وَالْأَوْهَامِ الْفَاسِدَةِ، وَعَدَمِ الانْسِيَاقِ وَالتَّصْدِيقِ لِكُلِّ مَا يُنْشَرُ مِمَّا يَتَنَافَى مَعَ الدِّينِ وَالأَخْلاَقِ، وَالْقِيَمِ وَالأَعْرَافِ، وَيُؤَثِّرُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَيَنْشُرُ اَلْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 204 – 205].

وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾ [ الأحزاب : 58 ]

وَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» [أخرجه أبو داود، وصححه الألباني].

وَرَدْغَةُ الْخَبَالِ؛ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُ بِعَصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ وَصَدِيدِهِمْ، حَتَّى يَتُوبَ وَيَسْتَحِلَّ مِمَّنْ قَالَ فِيهِ ذَلِكَ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَالْغِلِّ وَالْغِشِّ، وَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِيِنَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ التِّقْنِيَةِ: التَّثَبُّتُ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ وَالْمَقَاطِعِ، وَعَدَمُ الِانْسِيَاقِ خَلْفَ مَا يُنْشَرُ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُسَارِعُ لِنَشْرِ الْمَقَاطِعِ وَالْأَخْبَارِ رَغْبَةً فِي السَّبْقِ أَوْ لِكَوْنِ الْمُحْتَوَى مُثِيرًا!

وَكَمْ مِنْ خَبَرٍ كَاذِبٍ تَسَبَّبَ فِي هَدْمِ بُيُوتٍ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ أُسَرٍ، أَوْ أَسَاءَ لِسُمْعَةِ أَبْرِيَاءَ، أَوْ أَثَارَ الْبَلْبَلَةَ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات : 6 ]

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [ رواه مسلم ]

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رَواهُ مُسْلِمٌ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ، وَالاعْتِصَامَ بِالْحَبْلِ الْمَتِينِ، حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، وَجَمِيعَ وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


Share This Content:
0