« الالتزام بالأنظمة المرورية »
« تعميم الوزارة »
محمد بن سليمان المهوس / جامع الحمادي بالدمام
15 / 3 / 1448هـ
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: شَرِيعَتُنَا شَامِلَةٌ ، وَدِينُنَا كَامِلٌ ، شَمِلَ جَوَانِبَ الحَيَاةِ كُلَّهَا ، وَأَحَاطَ بِمُسْتَلْزَمَاتِ العَيْشِ ؛ دِينٌ كَمَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، يَوْمَ أَنْ أَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ ، وَأَفَاضَ عَلَيْنَا الرَّحْمَةَ ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ﴾ [المائدة: 3]
فَالشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ جَاءَتْ لِتَحْفَظَ عَلَى النَّاسِ ضَرُورَاتِهِمُ الْخَمْسَ، وَأَعْظَمُهَا بَعْدَ الدِّينِ: حِفْظُ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فَدِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ مَعْصُومَةٌ وَمَحْفُوظَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا، لَا بِصُورَةٍ مُبَاشَرَةٍ وَلَا بِصُورَةٍ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ.
وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ الشَّرْعِيِّ ، تَأْتِي الأَنْظُمَةُ المُرُورِيَّةُ الَّتِي وَضَعَتْهَا الجِهَاتُ المُخْتَصَّةُ تَنْظِيماً لِحَرَكَةِ السَّيْرِ، وَحِمَايَةً لِلْأَرْوَاحِ وَالمُمْتَلَكَاتِ ، وَإِنَّ التَّقَيُّدَ بِهذِهِ الأَنْظُمَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَانُونٍ وَضَعَتْهُ الدَوْلَةٌ لِيُطَاعَ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ .
فَالِالْتِزَامُ بِالْأَنْظِمَةِ الْمُرُورِيَّةِ هُوَ تَرْجَمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاحْتِرَامٌ لِحُقُوقِ الْآخَرِينَ فِي الطَّرِيقِ .
قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ » [ متفق عليه ]
فَالطَّرِيقُ لَهُ آدَابُهُ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا دِينُنَا الْحَنِيفُ، وَمِنْهَا “كَفُّ الْأَذَى”، وَأَعْظَمُ كَفِّ الْأَذَى الْيَوْمَ هُوَ تَجَنُّبُ مَا يُسَبِّبُ الْحَوَادِثَ الْمُرُورِيَّةَ الْمُفْجِعَةَ ؛ وَلِنَتَذَكَّر جَمِيعاً أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ وَالْجِهَاتِ التَّنْظِيمِيَّةَ مَا وَضَعَتْ هَذِهِ الْأَنْظُمَةَ إِلَّا لِسَلَامَتِنَا وَرَاحَتِنَا، فَطَاعَتُهَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، وَتُعَدُّ مُخَالَفَاتُهَا إِثْماً لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْصِيَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ تَنْظِيمَاتٍ تُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ ، وَتُسْهِمُ فِي حِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ عَظِيمٌ يَتَعَدَّى إِلَى الْأَبْرِيَاءِ وَالْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، قَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [ النساء : 59 ]
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» [متفق عليه]
وُوُلَاةُ أَمْرِنَا لَمْ يَأْمُرُونَنَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَمَرُونَا لِأَجْلِ تَحْقِيقِ السَّلَامَةِ لِلْجَمِيعِ، فَكَمْ مِنَ الْبَاكِينَ عَلَى آبَائِهِمْ بِسَبَبِ الْحَوَادِثِ، وَكَمْ مِنَ النَّائِحَاتِ عَلَى أَبْنَائِهِنَّ، وَكَمْ مِنْ مَدَامِعَ سُكِبَتْ، وَقُلُوبٍ تَقَطَّعَتْ، وَأَفْئِدَةٍ تَمَزَّقَتْ، بِسَبَبِ نَزْوَةٍ هَوْجَاءَ، أَوْ سُرْعَةٍ رَعْنَاءَ .
وَكَمْ مِنْ طِفْلٍ رَضِيعٍ فَقَدَ أُمَّهُ، وَكَمْ مِنْ فَتًى فَقَدَ أَبَاهُ، إِمَّا بِسَبَبِ غَفْلَةٍ أَوْ بِسَبَبِ نُعَاسٍ، أَوْ بِسَبَبِ اتِّصَالٍ، أَوْ بِسَبَبِ رِسَالَةِ جَوَالٍ، أَوْ مُدَاعَبَةِ أَطْفَالٍ ، أَوْ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ طَرِيقٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: 29]. فَاتَّقُوا اللَّهَ – أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ – وَامْتَثِلُوا الْأَنْظِمَةَ الْمُرُورِيَّةَ؛ فَكُلُّ إِجْرَاءٍ تَنْظِيمِيٍّ يَتَخِذُهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ لِتَحْقِيقِ مَصْلَحَةٍ مُعْتَبَرَةٍ لِلْمُجْتَمَعَاتِ وَدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُمْ، يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ الِالْتِزَامُ بِهِ، وَالِاحْتِسَابُ فِي ذَلِكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّطَوُّرَ، لَيْسَ بِعَدَمِ الْمُبَالَاةِ وَالتَّهَوُّرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَيْنُ التَّدَهْوُرِ، إِنَّ الشُّعُوبَ وَحَضَارَتَهَا تُقَاسُ بِحِفَاظِهَا عَلَى مَوَارِدِهَا الْبَشَرِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ ، وَاحْتِرَامِهَا لِلْأَنْظِمَةِ وَالْقَوَانِينِ، نَحْنُ أَهْلُ دِينٍ قَدْ كَمَّلَهُ رَبُّنَا، وَأَهْلُ اتِّبَاعٍ لِرِسَالَةِ مَنْ خَتَمَ اللَّهُ بِهِ الرِّسَالَاتِ، وَبِلَادُنَا قِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ وَمَنْبَعُ الرِّسَالَةِ، فَكَانَ لِزَاماً يَكُونُ الْحِرْصُ وَالِانْضِبَاطُ بَيْنَنَا قَبْلَ غَيْرِنَا، وَأَنْ نَكُونَ قُدْوَةً يَحْتَذِي بِنَا الْآخَرُونَ مِنْ شُعُوبِ الْعَالَمِ؛ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لَنَا مَا تَعَسَّرَ مِنْ مَصَالِحِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَنْ يَحْفَظَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَأَمْنَنَا وَأَنْ يَقِيَنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا وَالشَّيْطَانِ .
صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]،
وَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم]
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَاهْزِمْ عَدُوَّنَا، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ .
اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ ، الْمَلِكَ سَلْمَانَ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَسَدِّدْهُمَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ ، وَجَمِيعَ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ .
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
