الاعتصام بالكتاب والسنة وأثره في دفع الفتن


«الاعتصام بالكتاب والسنة وأثره في دفع الفتن»

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَعِنْوَانُ هَذَا اللِّقَاءِ: الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ في زمن الفتن

وَسَوْفَ نَتَكَلَّمُ عَنْ مَحَاوِرَ أَرْبَعَةٍ هِيَ:

الْمِحْوَرُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الاِعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

الْمِحْوَرُ الثَّانِي: أَدِلَّةُ وُجُوبِ الاِعْتِصَامِ بِالْوَحْيَيْنِ.

الْمِحْوَرُ الثَّالِثُ: كَيْفَ يَتَحَقَّقُ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ ؟

الْمِحْوَرُ الرَّابِعُ: ثِمَارُ الاِعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَعَلَى بَرَكَةِ اللهِ تَعَالَى نَقُولُ:

الْمِحْوَرُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الاِعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

الاِعْتِصَامُ: هُوَ الاِسْتِمْسَاكُ، وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: الاِعْتِصَامُ: الاِسْتِمْسَاكُ بِالشَّيْءِ.

وَقَالَ الأَصْفَهَانِيُّ فِي مُفْرَدَاتِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ:

الاِعْتِصَامُ: التَّمَسُّكُ بِالشَّيْءِ، وَيُقَالُ: اسْتَعْصَمَ: اسْتَمْسَكَ.

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران : ١٠٣]

 وَالاِعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللهِ، قِيلَ: الاِعْتِصَامُ بِعَهْدِ اللهِ، وَقِيلَ: يَعْنِي الْقُرْآنِ.

لِحَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَ: «أَبْشِرُوا وَأَبْشِرُوا، أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهَ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ؛ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَهْلِكُوا، وَلَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا» [صححه الألباني في السلسلة الصحيحة].

الْمِحْوَرُ الثَّانِي: أَدِلَّةُ وُجُوبِ الاِعْتِصَامِ بِالْوَحْيَيْنِ:

وَرَدَتِ النُّصُوصُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي تَحُثُّ وَتَدْعُو الْمُسْلِمَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالاِعْتِصَامِ بِهِمَا فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَفِيِ غَيْرِ زَمَنِهَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون﴾ [الأعراف: 3]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ [الزخرف: 43]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ [الجاثية: 18].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلك خيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59].

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – : «فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ أَيْ: رَدُّوا ذَلِكَ الْحُكْمَ إِلَى كِتَابِ اللهِ أَوْ إِلَى رَسُولِهِ بِالسُّؤَالِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالأَعْمَشِ وَقَتَادَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ».

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].

قَالَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: «لاَ تَقُولُوا خِلاَفَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» [رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو نعيم في الحلية ]

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾[آل عمران: 32].

 وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51].

فَلاَ بُدَّ هُنَا مِنَ أَمْرَيْنِ : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا! فَلاَ يَكْفِي السَّمْعُ بِلاَ الطَّاعَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ فِي آيَةٍ ثَانِيَةٍ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: 20 – 21].

وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا  قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93].

وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – : أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».

وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ –  قَالَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» [صحّحه الألباني].

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[رواه مسلم].

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ – رَحِمَهُ اللهُ – : « فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ إِلاَّ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَلاَ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ، وَعَمَلُهُ تَبَعًا لأَمْرِهِ، فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ، وَلاَ يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ وَالْكَلاَمِ فِيهِ نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللهُ وَالرَّسُولُ، فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ وَبِهِ يَتَكَلَّمُ، وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ، وَبِهِ يَسْتَنِيرُ، فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ».

الْمِحْوَرُ الثَّالِثُ: كَيْفَ يَتَحَقَّقُ الاِعْتِصَامُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – فِي الْفِتَنِ؟

يَتَحَقَّقُ بأُمُورٍ ‏لاَ بُدَّ مِنِ اجْتِمَاعِهَا حَتَّى يَكُونَ الإِنْسَانُ صَادِقًا فِي تَمَسُّكِهِ وَاعْتِصَامِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَغَيْرِهَا:

أَوَّلاً : قَبُولُ اَلْقُرْآنِ كُلُّهُ سُورَهُ وَآيَاتُهُ وَحُرُوفُهُ ، وَقَبُولُ كُلِّ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِنَا – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [ الحجر : 9 ]  وَالذِّكْرُ يَشْمَلُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ وَالسُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ؛ فَأَلْفَاظُهُمَا مَحْفُوظَةٌ بِحِفْظِ اللَّهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ.

قَالَ شَيْخُ اَلْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ – رَحِمَهُ اَللَّهُ -: إِنَّ اَلنَّاسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْعَلُوا كَلَامَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ هُوَ اَلْأَصْلُ اَلْمُتَّبَعُ ، وَالْإِمَامُ اَلْمُقْتَدَى بِهِ سَوَاءٌ عَلِمُوا مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ ، فَيُؤْمِنُونَ بِلَفْظِ اَلنُّصُوصِ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ مَعْنَاهَا ، وَأَمَّا مَا سِوَى كَلَامِ اَللَّهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلاً بِحَالٍ .

ثَانِيًا : اِرْتِبَاطُ فَهْمِ اَلْخَلَفِ لِلْقُرْآنِ وَارْتِبَاطُ فَهْمِهِمْ لِلسَّنَةِ اَلنَّبَوِيَّةِ بِفَهْمِ اَلسَّلَفِ ؛ أَيْ بِفَهْمِ اَلصَّحَابَةِ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمْ – وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانِ ! لِأَنَّ اَلصَّحَابَةَ -رِضْوَانُ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ – شَاهَدُوا اَلتَّنْزِيلَ ، وَأَخَذُوا اَلْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ فِيِّ رَسُولِ اَللَّهِ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَكَانُوا أَعْلَمَ اَلنَّاسِ بِأَلْفَاظِ اَلْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ .

ثَالِثاً : عَمَلُ اَلْخَلَفِ بِمُقْتَضَى مَا عَمِلَ بِهِ اَلسَّلَفُ ! لِأَنَّ اَللَّهَ أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ اَلصَّحَابَةِ ؛ قَالَ تَعَالَى :﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [ النساء : 115 ]

قَالَ اَلْإِمَامُ اَلْبَرْبَهَارِيُّ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – فِي شَرْحِ اَلسَّنَةِ : وَالْأَسَاسُ اَلَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ اَلْجَمَاعَةُ هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَهُمْ أَهْلُ اَلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَمَنْ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُمْ فَقَدْ ضَلَّ .‏

الأَمْرُ الرَّابِعُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :  ‏مَحَبَّةُ ذَلِكَ الْوَحْيِ وَضِدُّهُ بُغْضُهُ‏، وَهَذَا وُجُوبًا ؛ ‏أَنْ تُحِبَّ مَا أَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكُلِّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ فِيهِ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ الْخُطُورَةِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ شَيْءٌ مِنَ الْبُغْضِ لِمَا جَاءَ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – ، أَوْ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَبِمَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – أَوْ بِمَا نَهَى عَنْهُ اللهُ تَعَالَى أَوْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ جَاءَ مِنْ أَخْبَارٍ تَتَعَلَّقُ بِاللهِ ‏عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِ جَلاَلَهِ وَجَمَالِهِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – ‏مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ أَوْ سَيَكُونُ؛ كُلُّ ذَلِكَ يَجِبُ مَحَبَّتُهُ وَتَصْدِيقُهُ.

وَمَنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَكٌّ فَقَدْ وَقَعَ فِي مُعْضِلَةٍ عَظِيمَةٍ وَمُنْكَرٍ كَبِيرٍ .

الأَمْرُ الْخَامِسُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ‏، وَمَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَحَثَّ عَلَيْهِ؛ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُكَ عَالِيَةً فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِمَعْرِفَةِ الْوَحْيِ.

الأَمْرُ السَّادِسُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

الْمُبَادَرَةُ بِالاِمْتِثَالِ بِصِدْقِ الْعَمَلِ وَامْتِثَالِ الأَوَامِرِ، وَاسْتِشَعَارُ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ للهِ ؛ فَأَنْتَ عَبْدٌ للهِ، وَوَظِيفَتُكَ امْتِثَالُ وَطَاعَةُ اللهِ عَلَى مَا دَارَ عَلَيْهِ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ.

الأَمْرُ السَّابِعُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

أَنْ تَكُونَ مُعَظِّمًا تَنْظُرُ بِعَيْنِ الإِجْلاَلِ وَالتَّقْدِيرِ وَالاِحْتِرَامِ لِمَا جَاءَكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَمِنْ رَسُولِهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَالْحَذَرَ مِنَ الاِسْتِهَانَةِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ السُّخْرِيَةُ وَالاِسْتِهْزَاءُ، وَهَذَا وَاللهِ الْعَطَبُ.

الأَمْرُ الثَّامِنُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

اعْتِقَادُ أَنَّ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْوَحْيِ بِهِ تَكُونُ الْهِدَايَةُ وَلاَ تَكُونُ الْهِدَايَةُ إِلاَّ بِهِ لاَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يُمْكِنُ بِحَالٍ أَنْ يَهْتَدِيَ الإِنْسَانُ إِلَى الْحَقِّ إِلاَّ مِنْ طَرِيقِ هَذَا الْوَحْيِ؛ قَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي  وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].

الأَمْرُ التَّاسِعُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

‏حَمْلُ نُصُوصِ الْوَحْيِ عَلَى ظَاهِرِهَا؛ فَلاَ تَكُونُ صَادِقًا إِلاَّ إِذَا كُنْتُ كَذَلِكَ قَدْ جَمَعْتَ أَمْرَيْنِ : الْفَهْمُ الصَّحِيحُ وَأَنْ تَحْمِلَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا أَرَادَ اللهُ وَكَمَا أَرَادَ رَسُولُهُ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – ، وَضِدُّ ذَلِكَ أَنْ تَسْلُكَ مَسْلَكَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ.  

الأَمْرُ الْعَاشِرُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

الثَّبَاتُ عَلَى الأَخْذِ بِالْوَحْيِ إِلَى الْمَمَاتِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى هَذَا، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى هَذَا الْوَاجِبِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِكَ ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وَهَذِهِ هِيَ وَظِيفَةُ الْعَبْدِ النَّاصِحِ لِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ.

الأَمْرُ الْحَادِي عَشَرَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ :

تَحْقِيقُ اَلِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اَللَّهِ بِاعْتِصَامِ اَلْأُمَّةِ بِحَبْلِ اَللَّهِ ،وَالِالْتِفَافِ حَوْلَ دِينِهِمْ ؛ وَالِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ [ آل عمران : 103 ]

وَفِي قَوْلِهِ : ﴿ وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ إِشَارَةً إِلَى ذَمِّ الِافْتِرَاقِ وَعَظِيمِ خَطَرِهِ وَالَّذِي مِنْ أَخْطَارِهِ:

أَوَّلاً: الْفَشَلُ وَذَهَابُ الْقُوَّةِ: قَالَ تَعَالَى : ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة الأنفال: 46].

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» [ صحيح أبي داود ].

 ثَانِيًا: تَسْلِيطُ الْأَعْدَاءِ: فَالْأُمَّةُ الْمُتَفَرِّقَةُ إِلَى شِيَعٍ وَأَحْزَابٍ وَجَمَاعَاتٍ تُصْبِحُ مِثْلَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةِ فِي اللَّيْلَةِ الشَّاتِيَّةِ لا رَاعِيَ لَهَا إِلَّا الذِّئْبُ، وَهُوَ مَا فَطِنَ لَهَا أَعْدَاءُ الأُمَّةِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ فَعَمِلُوا عَلَى تَفْرِيقِ صَفِّهَا، وَبَثِّ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ أَبْنَائِهَا، كَمَا وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ قَوْلهِ تَعَالَى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ…..﴾ [ آل عمران 100- 105 ].

ثَالِثًا: التَّنَازُعُ وَالتَّفَرُّقُ: وَهُوَ مَا يُفْقِدُ النَّاسَ وَالْأُمَّةَ الشُّعُورَ بِوَحْدَةِ الْجَسَدِ وَوَحْدَةِ الْهَمِّ وَوَحْدَةِ الْمَصِيرِ، مِمَّا يَحْدُو بِكُلِّ طَائِفَةٍ أَنْ تَتَصَرَّفَ بِمُفْرَدِهَا بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُمَّةِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ التَّصَرُّفُ الِانْفِرَادِيُّ إِلَى مَآسٍ تَعُودُ عَلَى الأُمَّةِ جَمْعَاءَ بِآثَارِهَا وَتَبِعَاتِهَا.

رَابِعًا: الْفُرْقَةُ وَالِاخْتِلافُ سَبَبُ ذَهَابِ الْخَيْرِ:

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدَرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدَرِ ؛ فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ».

خَامِسًا: الْفُرْقَةُ وَالِاخْتِلافُ دَلِيلٌ عَلَى الْبُعْدِ عَنْ هَدْيِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَاطِبًا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام : 159].

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهَا: «وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ فَارَقَ دِينَ اللَّهِ وَكَانَ مُخَالِفًا لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ؛ وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ لا اخْتِلافَ فِيهِ وَلا افْتِرَاقَ ، فَمَنِ اخْتَلَفَ فِيهِ ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أَيْ: فِرَقًا كَأَهْلِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ -وَهِيَ الأَهْوَاءُ وَالضَّلالاتُ- فَاللَّهُ قَدْ بَرَّأَ رَسُولَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مِمَّا هُمْ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [ الشورى : 13].

سَادِسًا: التَّفْرِقَةُ وَالْاخْتِلافُ مُتَوَعَّدٌ أَصْحَابُهَا بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ:

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ  وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ آل عمران : 105].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: لا يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا»

[رواه مسلم].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْفُضَلاءُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الإِسْلامَ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ أَهْلِهِ، وَوَحْدَةِ صَفِّهِمْ، وَكَمَا أَنَّ الْخِلافَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ مُقَدَّرٌ وُقُوعُهُ؛ لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ شَرْعًا السَّعْيُ فِي إزَالَتِهِ، فَالْخِلافُ شَرٌّ وَالِاجْتِمَاعُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَقْوَمُ النَّاسِ بِهَذَا الْوَاجِبِ، وَأَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى قَطْعِ دَابِرِ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى حُصُولِ النِّزَاعِ وَالْفُرْقَةِ وَالْخِلافِ فِي الأُمَّةِ، وَالنُّصُوصُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْهَا ، وَالَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَجْتَمِعَ كَلِمَتُهُمْ، وَأَنْ يَأْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَنْ يَدَعُوا أَسْبَابَ الشِّقَاقِ وَالنِّزَاعِ وَإِنْ دَقَّتْ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ وَمَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا، بَلْ وَفِي تَفَاصِيلِ أَحْكَامِهَا؛ وَجَدَ أَنَّ هَذَا مِنَ الْمَقَاصِدِ الْعَظِيمَةِ لِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ؛ حَتَّى إنَّكَ تَجِدُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَنَعَتْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي أَبْوَابِ الْمُعَامَلاتِ، وَفِي أَبْوَابِهِ أَحْكَامِ الأُسْرَةِ كُلُّ ذَلِكَ سَدًّا لِذَرِيعَةِ حُصُولِ الشِّقَاقِ وَالنِّزَاعِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ.

وَاعْلَمْ -أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ- أَنَّ الْفِقْهَ فِي مَسَائِلِ الاِجْتِمَاعِ وَدَرْءِ الْفُرْقَةِ فِقْهٌ نَفِيسٌ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَتَحَلَّى بِهِ، وَلا أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا يَحْرِصُ عَلَى هَذَا الْبَابِ الْعَظِيمِ إِلاَّ وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ أَهَمِّيَّةَ الدَّعْوَةِ، وَمَصْلَحَةَ الإِسْلامِ، وَدَرْءِ كُلِّ مَا يُكَدِّرُ صَفْوَ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

فَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَجَرُّدٍ مِنَ الْهَوَى وَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ وَمِنَ الْحِزْبِيَّةِ ، وَكُلَّمَا مَضَى الإِنْسَانُ فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ وَكَثُرَتْ تَجْرِبَتُهُ وَكَبِرَتْ سِنُّهُ؛ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْخَيْرِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى دَرْءِ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ؛ وَيُعْجِبُنِي فِي هَذَا كَلِمَةٌ حَسَنَةٌ لِلْعَلاَّمَةِ مُفْتِي الدِّيَارِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حِينَمَا قَالَ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ مَجْمُوع فَتَاوِيهِ: «الاِجْتِمَاعُ الَّذِي فِيهِ نَقْصٌ كَبِيرٌ، خَيْرٌ مِنَ الافْتِرَاقِ الَّذِي يُظَنُّ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ».

فَهَذِهِ كَلِمَةٌ ثَمِينَةٌ لا يُدْرِكُ مَرَامِيَهَا إِلاَّ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ.

الأَمْرُ الْثَّانِي عَشَرَ مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ :

تَحْقِيقُ وَحْدَةِ الْجَمَاعَةِ ؛ وَيَتَحَقَّقُ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ مُهِمَّةٍ مُجْتَمِعَةٍ :

الأَوَّلُ: وَحْدَةُ الْعَقِيدَةِ.

الثَّانِي: وَحْدَةُ الاِتِّبَاعِ.

الثَّالِثُ: وَحْدَةُ الْمَنْهَجِ.

الرَّابِعُ: وَحْدَةُ الْقِيَادَةِ.

فَوَحْدَةُ الْعَقِيدَةِ هُوَ: الاِجْتِمَاعُ عَلَى الْحَقِّ؛  أَعْنِي: الاِجْتِمَاعُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وَالاِعْتِصَامُ بِهِمَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون﴾ [الأعراف: 3] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾  [الزخرف: 43] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ [الجاثية: 18] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلك خيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59].

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : «فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ؛ أَيْ: رَدُّوا ذَلِكَ الْحُكْمَ إِلَى كِتَابِ اللهِ أَوْ إِلَى رَسُولِهِ بِالسُّؤَالِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي سُنَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالأَعْمَشِ وَقَتَادَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ».

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] .

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «لاَ تَقُولُوا خِلاَفَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» [رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية] .

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32] .

 وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51].

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – : أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ».

وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-  قَالَ: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» [صحّحه الألباني].

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» وَيَقْرِنُ بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» [رواه مسلم]

قَالَ اللاَّلَكَائِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «إِنَّ أَوْجَبَ مَا عَلَى الْمَرْءِ: مَعْرِفَةُ اعْتِقَادِ الدِّينِ، وَمَا كَلَّفَ اللَّهُ عِبَادَهُ مِنْ فَهْمِ تَوْحِيدِهِ وَصِفَاتِهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ بِالدَّلاَئِلِ وَالْيَقِينِ، وَالتَّوَصُّلُ إِلَى طُرُقِهَا، وَالاِسْتِدَلاَلُ عَلَيْهَا بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ.

وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَقُولٍ، وَأَوْضَحِ حُجَّةٍ وَمَعْقُولٍ: كِتَابُ اللَّهِ الْحَقُّ الْمُبينُ، ثُمَّ قَوْلُ رَسولِ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَصَحابَتِهِ الأَخْيَارِ الْمُتَّقِينَ، ثُمَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحونَ، ثُمَّ التمَسُّكُ بمَجْمُوعِهَا وَالْمُقَامُ عَلَيْهَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، ثُمَّ اجْتِنَابُ البِدَعِ والاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا مِمَّا أَحْدَثَها المُضِلُّونَ.

فَهَذِهِ الْوَصَايَا الْمَورُوثَةُ الْمَتْبُوعَةُ، وَالآثَارُ الْمَحْفُوظَةُ الْمَنْقُولَةُ، وَطَرَائِقُ الْحَقِّ المَسْلُوكَةُ، وَالدَّلائِلُ اللاَّئِحَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْحُجَجُ الْبَاهِرَةُ الْمَنْصُورَةُ، الَّتِي عَمِلَتْ عَلَيْهَا الصَّحابةُ والتَّابِعُونَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ خَاصَّةِ النَّاسِ وَعَامَّتِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاعْتَقَدُوهَا حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ مَنِ اقتَدَى بِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ، وَاقْتَفَى آثَارَهُمْ مِنَ الْمُتَّبِعِينَ، وَاجْتَهَدَ فِي سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُتَّقِينَ، وَكَانَ مِنَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنونَ.

فَمَنْ أَخَذَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَحَجَّةِ، وَدَاوَمَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ عَلَى مِنْهَاجِ الشَّرِيعَةِ؛ أَمِنَ فِي دِينِهِ التَّبِعَةَ فِي الْعَاجِلَةِ وَالآجِلَةِ، وَتَمَسَّكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَى الَّتِي لاَ انْفِصَامَ لَهَا» [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة :  1/7 ]

وَأَمَّا وَحْدَةُ الاِتِّبَاعِ فَهُوَ : السَّيْرُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي وَصَّاهُمْ رَبُّهُمْ بِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153] .

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «خَطَّ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – خَطًّا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيمًا، وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلاَّ عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ» [ رواه أحمد، وصححه ابن باز] .

وَمِنْ لَوَازِمِ وَحْدَةِ الاِتِّبَاعِ: أَنْ يُطَاعَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – بِكُلِّ مَا أَمَرَ، وَأَنْ يُصَدَّقَ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ، وَأَنْ يُجْتَنَبَ كُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ ، وَأَنْ لاَ يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَلِذَلِكَ اشْتَدَّ نَكِيرُ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ وَابْتَدَع قَوْلاً وَعَمَلاً لَمْ يَشْرَعْهُ رَسُولُ اللهِ  -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى قَوْمٍ حِلَقٍ جُلُوسٍ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ، وَفِي كُلِّ حَلْقةٍ رَجُلٌ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِئَةً، فَيُكَبِّرُونَ، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِئَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِئةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِئَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِئَةً، فَجَاءَهُمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَعَ جَمْعٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَوَقَفَ عَلَى إِحْدَى تِلْكَ الْحِلَقِ، وَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟! قَالُوا: حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ! فَأَنَا ضَامِنٌ أَلاَّ يَضَعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْئًا! وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ! هَؤُلاَءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحُو بَابَ ضَلاَلَةٍ، قَالُوا: وَاللهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلاَّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ! إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثَنَا: «إِنَّ قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ»

[ يشير إلى ما رواه الترمذي في سننه ، وقال : حديث حسن صحيح ]

وَأَيْمُ اللهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُم، ثُمَّ تَوَلَّى.

قَالَ عَمرُو بنُ سَلَمةَ الْكُوفيِّ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوانِ مَعَ الْخَوَارِجِ!

[رواه الدارمي :1/68-69 ، وابن أبي شيبة :7/553؛ قال الألباني في السلسلة الصحيحة: إسنادُه صحيحٌ].

فَانْظُرْ كَيْفَ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِشِدَّةٍ، وَلَمْ يَعذِرْهُمْ لِحُسْنِ نِيَّتِهِمْ، بَلْ قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ! إِذْ لاَ تَكْفِي النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ لِلْفِعْلِ لِيُقْبَلَ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنِ اتِّبَاعِ هَدْيِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسُنَّتِهِ.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «السُّنَنَ السُّنَنَ؛ فَإِنَّ السُّنَنَ قِوَامُ الدِّينِ» [السُّنَّة للمروزي : ص: 111 ].

وَلَقَدْ جَاءَ الأَمْرُ الأَكِيدُ بِطَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ الَّذِي لاَ يَكُونُ إِحْدَاثًا إِلاَّ بِتَرْكِ سُنَّةِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-؛ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [النِّساء: 59].

عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: «طَاعَةُ اللهِ: اتِّبَاعُ كِتَابِهِ، وَطَاعَةُ الرَّسُولِ: اتِّبَاعُ سُنَّتِهِ» [أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع ٢/9].

 وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ إِلاَّ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَلاَ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ، وَعَمَلُهُ تَبَعًا لأَمْرِهِ، فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ، وَلاَ يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ وَالْكَلاَمِ فِيهِ؛ نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللهُ وَالرَّسُولُ، فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ وَبِهِ يَتَكَلَّمُ، وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ، وَبِهِ يَسْتَنِيرُ، فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ».

وَأَمَّا وَحْدَةُ الْمَنْهَجِ: فَتَكُونُ بِنَهْجِ مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ الَّذِي هُوَ أَسْلَمُ وَأَعْلَمُ وَأَحْكَمُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء: 115].

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «الَّذِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ اعْتِقَادُهُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَذَمَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ» [مجموع الفتاوى: 12/235].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[البقرة: 137].

وَهَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هُوَ الْهُدَى وَالْحَقُّ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهِ فَإِنَّهُ عَلَى هُدًى وَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

فَالصَّحَابَةُ هُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِمَا فِي الآيَةِ أَوَّلاً، ثُمَّ مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ وَاقْتَدَى بِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ ثَانِيًا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].

وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- هُمْ أَوَّلُ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ، فَهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُونَ إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.

وَتَأَمَّلُوا تَزْكِيَةَ الرَّسُولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- لَهُمْ، بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» [متفق عليه].

وَرَوَى مُسْلِمٌ بِسَنَدِهِ إِلَى  مُجَمَّعِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا ؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي ، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ».

فَهَذِهِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى وَخَيْرٍ، وَأَنَّهُمْ أَهْلٌ لِلاِقْتِدَاءِ وَالاِتِّبَاعِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «اتَّبِعُوا وَلاَ تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ، عَلَيْكُمْ بِالأَمْرِ الْعَتِيقِ» [أخرجه الدارمي، وصححه الألباني].

وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «أَصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ، وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ، وَاسْلُكْ سَبِيلَ السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَإِنَّهُ يَسَعُكَ مَا وَسِعَهُمْ، وَقُلْ بِمَا قَالُوا، وَكُفَّ عَمَّا كَفُّوا» [رواه الآجري في الشريعة: 294].

أَمَّا وَحْدَةُ الْقِيَادَةِ: فَدِينُنَا الإِسْلاَمِيُّ دِينٌ كَامِلٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَفِي جَمِيعِ الأَبْوَابِ وَالْمَجَالاَتِ، حَيْثُ جَاءَ هَذَا الدِّينُ بِمَا يُحَقِّقُ لِلْعِبَادِ الْعِزَّ وَالرِّفْعَةَ، وَالسَّلاَمَةَ وَالأَمَانَ، وَالصَّلاَحَ وَالْفَلاَحَ، وَالسَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ؛ وَلاَ يَزَالُ أَهْلُ الإِيمَانِ بِخَيْرٍ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ وَتَوْجِيهَاتِهِ السَّدِيدَةِ ، وَالَّتِي مِنْهَا:

1-مَعْرِفَةُ مَا يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ تِجَاهَ قِيَادَتِهِمْ مِنْ حُقُوقٍ عَظِيمَةٍ لاَ تَنْتَظِمُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ إِلاَّ بِهَا؛ فَإِنَّ الرَّعِيَّةَ مَتَى رَعَوْا تِلْكَ الْحُقُوقَ وَاعْتَنَوْا بِهَا، تَحَقَّقَتْ لَهُمُ الْخَيْرِيَّةُ، وَانْتَظَمَتْ جَمِيعُ مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ؛ مِنْ أَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَبُعْدٍ عَنِ الْقَلَقِ وَالاضْطِرَابِ وَالْمَخَاوِفِ وَالْفِتَنِ، وَانْتِظَامٍ لِجَمِيعِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ.

فَجِمَاعُ حُقُوقِ وُلاَةِ الأَمْرِ عَلَى الرَّعِيَّةِ كَثِيرَةٌ؛ مِنْ أَهَمِّهَا: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلإِمَامِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَفِي أَثَرَةٍ عَلَى الْعِبَادِ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ الْعَبْدُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «عَلَى الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ».

فَمِنْ تَمَامِ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلاَّهُ اللهُ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ؛ كَمَا قَالَ الْخَلِيفَةُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-:

«إِنَّه لاَ إِسْلاَمَ إِلاَّ بِجَمَاعَةٍ، وَلاَ جَمَاعَةَ إِلاَّ بِإِمَارَةٍ، وَلاَ إِمَارَةَ إِلاَّ بِطَاعَةٍ» [أخرجه الإمام الدارمي].

وَالسَّمْعُ هُوَ الْقَبُولُ، وَالطَّاعَةُ: هِيَ الاِنْقِيَادُ وَالاِمْتِثَالُ؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: « ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ -أَيْ: مِنَ الإِغْلاَلِ وَهُوَ الْخِيَانَةُ-: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ للَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلاَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ، تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ».

قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ رَحِمَهُ اللهُ: «فَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلاَثِ: إِخْلاَصِ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةِ أُولِي الأَمْرِ، وَلُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ الثَّلاَثُ تَجْمَعُ أُصُولَ الدِّينِ وَقَوَاعِدَهُ، وَتَجْمَعُ الْحُقُوقَ الَّتِي للهِ وَلِعِبَادِهِ، وَتَنْتَظِمُ مَصَالِحَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» [المجموع :٨٠/١ ]

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ – وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ-:

«وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : الْحَضُّ عَلَى الاِعْتِصَامِ وَالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِ اللهِ فِي حَالِ اجْتِمَاعٍ وَائْتِلاَفٍ، وَحَبْلُ اللهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِيهِ قَوْلاَن: أَحَدُهُمَا كِتَابُ اللهِ، وَالآخَرُ الْجَمَاعَةُ، وَلاَ جَمَاعَةَ إِلاَّ بِإِمَامٍ، وَهُوَ عِنْدِي مَعْنًى مُتَدَاخِلٌ مُتَقَارِبٌ؛ لأَنَّ كِتَابَ اللهِ يَأْمُرُ بِالأُلْفَةِ وَيَنْهَى عَنِ الْفُرْقَةِ» [التمهيد ٢٧٢/٢٢].

الْمِحْوَرُ الرَّابِعُ : مِنْ آثَارِ الاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ:

الاِعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَهُ ثِمَارٌ كَثِيرَةٌ ، وَفَوَائِدُ عَدِيدَةٌ ذَكَرَهَا اَلْعُلَمَاءُ ؛ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ اَلْجَوْزِيَّة فِي ” مَدَارِجِ اَلسَّالِكِينَ ” : « وَمَدَارُ اَلسَّعَادَةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ عَلَى اَلِاعْتِصَامِ بِاَللَّهِ ، وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَاتَيْنِ اَلْعِصْمَتِينِ ؛ فَأَمَّا اَلِاعْتِصَامُ بِحَبْلِهِ : فَإِنَّهُ يَعْصِمُ مِنْ اَلضَّلَالَةِ ، وَالِاعْتِصَامُ بِهِ : يَعْصِمَ مِنْ اَلْهَلَكَةِ ، فَإِنَّ اَلسَّائِرَ إِلَى اَللَّهِ كَالسَّائِرِ عَلَى طَرِيقٍ نَحْوَ مَقْصِدِهِ ؛ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى هِدَايَةِ اَلطَّرِيقِ ، وَالسَّلَامَةِ فِيهَا ، فَلَا يَصِلُ إِلَى مَقْصِدِهِ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ اَلْأَمْرَيْنِ لَهُ ؛ فَالدَّلِيلُ كَفِيلٌ بِعِصْمَتِهِ مِنْ اَلضَّلَالَةِ ، وَأَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى اَلطَّرِيقِ ، وَالْعُدَّةُ وَالْقُوَّةُ وَالسِّلَاحُ اَلَّتِي بِهَا تَحْصُلُ لَهُ اَلسَّلَامَةُ مِنْ قُطَّاعِ اَلطَّرِيقِ وَآفَاتِهَا .

فَالِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اَللَّهِ يُوجِبُ لَهُ اَلْهِدَايَةَ وَاتِّبَاعَ اَلدَّلِيلِ ، وَالِاعْتِصَامُ بِاَللَّهِ يُوجِبُ لَهُ اَلْقُوَّةَ وَالْعُدَّةَ وَالسِّلَاحَ وَالْمَادَّةَ اَلَّتِي يَسْتَلْئِمُ بِهَا فِي طَرِيقِهِ »ا.هـ

وَيُمْكِنَ أَنْ نَذْكُرَ بَعْضًا مِنْ أَهَمِّ وَأَعْظَمِ آثَارِ اَلِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ ، وَاَلَّتِي مِنْهَا :

أَوَّلاً : اَلْهِدَايَةُ وَالصَّلَاحُ ، وَالنَّجَاةُ وَالْفَلَاحُ ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ آل عمران : 101 ]

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [النساء: 174: 175].

وقَالَ تَعَالَى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15: 16].

وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [النساء: 13]

وقَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 38].

وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 54].

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – « تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ  لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا : كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي »

[ رواه مالك في الموطأ ، والحاكم بالمستدرك ، وحسن الألباني ]

وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى » قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ : « مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى » [ رواه البخاري ]

ثَانِياً : مِنْ آثَارِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ : الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ، وَالْعِيشَةُ الْهَنِيَّةُ ، وَالسَّعَادَةُ الدَائِمَةُ ، وَالْأَمْنُ وَالرَّخَاءُ وَالازْدِهَارُ وَالنَّمَاءُ : قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْييِكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال : ٢٤]

وَالِاسْتِجَابَةُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَعْنَى : اَلِاسْتِسْلَامُ اَلصَّادِقُ ، وَالْخُضُوعُ اَلتَّامُّ ، وَالِانْقِيَادُ اَلْمُطْلَقُ لِنُصُوصِ اَلْوَحْيَيْنِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ النور : 51 ]

– نَعَمْ – هَذَا قَوْلُ أَهْلِ اَلْإِيمَانِ : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فِي اَلْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ ؛ خِلَافَ اَلْمُنَافِقِينَ اَلَّذِي شِعَارُهُمْ وَفِعَالُهُمْ هُوَ اَلْإِعْرَاضُ وَالتَّوَلِّي ، وَدَيْدَنُهُمْ اَلصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ ، وَمُخَالَفَةُ أَمْرِ اَلنَّبِيِّ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: 61]                                                                              وَلَا شَكَّ أَنَّ اَلِاعْتِصَامَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالِاسْتِجَابَةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ – صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – مِنْ أَفْضَلِ اَلْأَعْمَالِ اَلصَّالِحَةِ اَلَّتِي فِيهَا سَعَادَةُ اَلْمَرْءِ ، وَحَيَاتُهُ اَلطَّيِّبَةُ فِي اَلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى :﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل : 97 ]

ثَالِثًا: مِنْ آثار آلِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ :

تَحْقِيقٌ لِرُكْنٍ عَظِيمٍ مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ، وَهُوَ الإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ؛ فَيُؤْمِنُ الْعَبْدُ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَقَعُ مِنَ الْمَقَادِيرِ وَالْمَصَائِبِ وَغَيْرِهَا فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ وُقُوعَهُ، وَذَلِكَ لِسَعَةِ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَكُونُ ؛ مِمَّا يُفِيِدُ فِي دَفْعِ الْحُزْنِ وَالْأَسَى عَلَى مَا فَاتَ، وَلِكَبْحِ الْفَرَحِ وَالْبَطَرِ بِمَا هُوَ آتٍ ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور ﴾ [الحديد: 22-23]

وَكَذَلِكَ الرِّضَا وَالْيَقِينُ بِالْعِوَضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهَا: «أَيْ: وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ، فَعَلِمَ أَنَّهَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَصَبَرَ، وَاحْتَسَبَ، وَاسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللَّهِ، هَدَى اللَّهُ قَلْبَهُ، وَعَوَّضَهُ عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الدُّنْيَا هُدًى فِي قَلْبِهِ، وَيَقِينًا صَادِقًا، وَقَدْ يُخْلِفُ عَلَيْهِ مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، أَوْ خَيْرًا مِنْهُ».

رَابِعاً : مِنْ آثَارِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ :

الْيَقِينُ بِمَوْعُودِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِ لَهُمْ، وَتَأْيِيدِهِ إِيَّاهُمْ، وَتَثْبِيتِهِ لِقُلُوبِهِمْ، وَرَفْعِهِ لِشَأْنِهِمْ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: 38 ]

يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْبِرُ أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، وَأَنَابُوا إِلَيْهِ، شَرَّ الْأَشْرَارِ، وَكَيْدَ الْفُجَّارِ، وَيَحْفَظُهُمْ، وَيَكْلَؤُهُمْ، وَيَنْصُرُهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: 36]

 وقال: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3] »

خامساً : مِنْ آثَارِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ :

تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ:

فَمَنِ اعْتِصَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَعَلَّمَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَالِابْتِعَادَ عَنِ الانْجِرَارِ وَرَاءَ الشَّائِعَاتِ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾ [آل عمران : ۲۰۰]

وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 1]

سادساً : مِنْ آثَارِ آلِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ : الْعَمَلُ عَلَى رَدِّ الْاخْتِلَافِ وَأُمُورِ الْعَامَّةِ إِلَى أَهْلِ الْاِخْتِصَاصِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء : ٨٣]

قَالَ الْعَلَامَةُ السَّعْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ» :

هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذَا غَيْرِ اللَّائِقِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ ، وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ؛ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْنِ وَسُرُورِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ بِالْخَوْفِ الَّذِي فِيهِ مُصِيبَةٌ عَلَيْهِمْ : أَنْ يَتَثَبَّتُوا ، وَلَا يَسْتَعْجِلُوا بِإِشَاعَةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ ، بَلْ يَرُدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ، وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَالْعِلْمِ ، وَالنُّصْحِ، وَالْعَقْلِ، وَالرَّزَانَةِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأُمُورَ، وَيَعْرِفُونَ الْمَصَالِحَ وَضِدَّهَا : فَإِنْ رَأَوْا فِي إِذَاعَتِهِ مَصْلَحَةً، وَنَشَاطًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَسُرُورًا لَهُمْ ، وَتَحَرُّزًا مِنْ أَعْدَائِهِمْ؛ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ وَإِنْ رَأَوْا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، أَوْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، وَلَكِنَّ مَضَرَّتَهُ تَزِيدُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ : لَمْ يُذِيعُوهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لِعِلْمِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِفِكْرِهِمْ ، وَآرَائِهِمْ السَّدِيدَةِ، وَعُلُومِهِمْ الرَّشِيدَةِ »

سابعاً : مِنْ آثَارِ آلِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي دَفْعِ الْفِتَنِ :

لُجُوءُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ ، وَلُزُومُ الضَّرَاعَةِ إِلَيْهِ ، وَسُؤَالُهُ الْهَدَايَةَ فِيمَا قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – مَعَ شَرِيفِ مَنْزِلَتِهِ وَرِفْعَةِ مَكَانَتِهِ يَضْرَعُ إِلَى رَبِّهِ أَنْ يَهْدِيَهُ لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »

وَفْقَ اَللَّهِ اَلْجَمِيعَ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى ؛ وَصَلَّى اَللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .

أَخُوكُمْ وَمُحِبُّكُمْ / مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلْمُهَوِّسْ .

                       22 / 10 / 1447 هـ


Share This Content:
0