نسمع كثيرًا في هذه الأزمنة أنَّ إجماعات النووي وابن المنذر وابن عبد البر ليست معتبرةٍ، وأنَّ ابن المنذر كان متساهلًا في ذلك، فما توجيهك؟


يقول السائل: نسمع كثيرًا في هذه الأزمنة أنَّ إجماعات النووي وابن المنذر وابن عبد البر ليست معتبرةٍ، وأنَّ ابن المنذر كان متساهلًا في ذلك، فما توجيهك؟

الجواب:

قبل الإجابة عن هذا السؤال، لعلَم أنَّ الإجماع حُجَّةٌ عند أهل السنة، وقد تكاثرَت الأدلة من الكتاب والسنة في بيان حُجِّيته، كما بيَّنه علماء أصول الفقه، وعلماء الشريعة عمومًا، ولم يُخالِف في حُجِّية الإجماع إلا النظَّام المعتزلي، ذكر هذا ابن قدامة في كتابه (روضة الناظر).

وذكر ابن تيمية أنَّ الذين خالفوا في الإجماع هم المعتزلة والأشاعرة …إلى آخر ما قال -رحمه الله تعالى-، أما أهل السنة فلم يُنازعوا في حُجِّية الإجماع، ومَن قال إنَّ الإمام أحمد لا يرى الإجماع بناءً على قوله: مَن ادَّعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوة بشر المريسي والأصم …، فقد أخطأ قطعًا؛ لأنَّ المُنازعين في الإجماع هم أهل البدع كالنَّظام المعتزلي، والإمام أحمد إمامٌ مِن أئمة أهل السنة.

والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- نفسه احتجَّ بالإجماع في مسائل كثيرة، وقال: قد أجمعوا على أنَّ أولاد المسلمين في الجنة. وقال: أجمعوا على أنَّ مَن تذكَّر صلاة حضر في سفر فإنه يصليها صلاة حضر، وقال: أجمعوا على أنَّ الاعتكاف سنة. وقال: أجمعوا على أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204] أنَّ ذلك في الصلاة … إلى آخر الإجماعات الكثيرة التي حكاها الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.

وإنَّما الإجماع الذي استنكرهُ هو الإجماع الذي يحكيه مَن لا درايةَ له، كأهل البدع؛ لأنه قال: “ هذه دعوى بشر المريسي والأصم ” فهي دعوى أهل البدع، كما بيَّن هذا أبو يعلى -رحمه الله تعالى- وقريبٌ منه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في توجيه كلام الإمام أحمد.

ثم إن دليل الإجماع دليل عظيم؛ لأنه قاطعٌ في دلالته، فلا يُنسَخ ولا يحتمِلُ أكثَر مِن معنى، وقد ذكر أنه قاطعٌ الغزالي في كتابه (المستصفى) وابن قدامة في كتابه (روضة الناظر) والشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول).

فبهذا يكون صمام أمانٍ لمعتقد أهل السنة، وذلك أنَّ أهل البدع إذا احتجُّوا عليهم بدليل نازعوا في ثبوته، فإذا كان ثابتًا بأن كان في كتاب الله أو مُتواترًا، نازعوا في دلالته، أما الإجماع فلا يمكن أن يُنازَع في دلالته لأنه قاطعٌ كما تقدم، ومَن خالفَ في مسألةٍ قد أجمع العلماء فيها فإنَّ قوله شاذٌّ وخطأٌ.

إذا تبيَّن هذا فإنَّ الإجماع نوعان: إجماعٌ قطعيٌّ، وإجماعٌ ظنيٌّ، ذكر هذا ابن قدامة في كتابه (روضة الناظر) والزركشي في كتابه (البحر المحيط) وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الاستقامة) وكما في (مجموع الفتاوى)، وذكره غيرهم.

ومعنى الإجماع القطعي الذي يكون في نصٍّ قد ظهرت الأدلة في بيان الحكم فيه، كوجوب الصلاة والزكاة وغير ذلك، أما الإجماع الظني الذي يرجع إلى استقراء أهل العلم، كأن يستقرئ عالمٌ معتبرٌ مسألةً ويحكي إجماعًا، كما يفعل ذلك الإمام أحمد والشافعي ويفعل ذلك الطحاوي وابن عبد البر وقبلهم ابن المنذر وغيرهم من أهل العلم.

وكلا النوعين من الإجماعات حُجَّة، سواء كان قطعيًّا أو ظنيًّا، ومُنكر الإجماع القطعي كافر، بخلاف مُنكر الإجماع الظني، كما أفاد هذا ابن تيمية وغيره، والإجماع الظني -الذي يرجع إلى غلبة الظن- هو الذي يُعرَف باستقراء أهل العلم، وهناك علماء اشتهروا باستقراء الإجماع، واعتمد العلماء كلامهم، كابن المنذر -رحمه الله تعالى-، وقد قال ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) : وعلى ابن المنذر اعتماد المتأخرين في حكاية الإجماع والخلاف.

لذا ابن المنذر إذا خالَف واحدٌ قال: إلا أنَّ فلانًا خالَف، أو قال: أجمعوا إلا الحسن … إلخ، فدلَّ هذا على أنه إذا حكى الإجماع فيريدُ إجماع أهل العلم، وأنَّ مخالفة الواحد تخرم الإجماع ولا يُعتدُّ بإجماعٍ قد خالَفَ فيه الواحد، فهو إذا حكى الإجماع أراد إجماع أهل العلم جميعًا.

ومثل ذلك الإجماعات التي يحكيها الإمام أحمد، أو الشافعي، أو الطحاوي، أو النووي، أو ابن قدامة …وهكذا من أهل العلم، بخلاف ابن جرير الطبري فإنه إذا حكى الإجماع فيريد قول الأكثر كما اشتهر نسبة ذلك إليه من أهل العلم، وابن عبد البر يحكي الإجماع ويريد الإجماع الحقيقي، وقد يريد بالإجماع قول الجمهور، وهذا يُعرَف بسياق كلامه وبمطالعة كلام أهل العلم في هذه المسألة التي حكى عليها إجماعًا.

فالمقصود أنَّ وصفَ أهل العلم بأنهم متساهلون في حكاية الإجماع -هكذا- كابن عبد البر والنووي وغيرهما، هذا خطأ، وينبغي أن يُتأمَّل في مثل هذا، فإنَّ اعتماد أهل العلم كثيرٌ على أمثال هذه الإجماعات، فلا يُتعجَّل في ردِّها، بل الأصل أن تُقبل.

لكن لو تبيَّن أنَّ أحد هذه الإجماعات مخروم لم يُقبَل، والأصل قبول الإجماع ويُعتمَد عليه، وقد جربتُ هذا كثيرًا في كثير من المسائل، ووجدت أنَّ هذه الإجماعات منضبطة، وأنه إذا وُجد مَن خالف فإنه غالبًا يكون من المتأخرين أو مِن الظاهرية، وهؤلاء محجوجون بالإجماع السابق، وهذا جربته كثيرًا وأدعو إخواني طلاب العلم أن يُجربوا ذلك وأن يُلاحظوا المخالفين وقت خلافهم.

 

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

391_1


شارك المحتوى:
0