يقول السائل: كثُر الكلام على قاعدة حكم الحاكم يرفع الخلاف، فلو تُفصِّل لنا هذه القاعدة.
الجواب:
إنَّ معنى هذه لقاعدة هو أنَّ الحاكم -أي القاضي- عند التَّرافُع إليه إذا حكمَ بين المترافعين فإنَّ حكمه يرفعُ الخلاف، فإذن هذه القاعدة مُقيَّدةٌ بأمورٍ ثلاثة:
الأمر الأول: بالقاضي.
الأمر الثاني: عند التَّرافع والتخاصم إليه.
الأمر الثالث: أن يكون حكمُه في المسائل الاجتهادية التي يسوغ الخلاف فيها، يعني إذا اختلَف العلماء خلافًا معتبرًا على قولين أو ثلاثة، فحكمَ بأحد هذه الأقوال فإنَّ حكمه يصح، لكنه لو أتى بقول شاذٍّ فإنَّ حكمه لا يصح.
فإذَن هذه القاعدة كما هو مقتضى قول علماء المذاهب الأربعة مُقيَّدةٌ بما تقدم ذكره، أن يكون القاضي وليس مطلقًا وإنما عندما يترافَع إليه المتخاصمون ويحكم بينهم بما يسوغ الخلاف فيه مِن أقوال أهل العلم.
أما لو أنَّ القاضي تكلم في مسألة علمية، فمثله مثل غيره، وإنما تكون له مَزيَّة إذا كان عند الترافع والتخاصم فحكمَ بينهم حكمًا قضائيًّا بمسألة يسوغ الخلاف فيها، هذا مقتضى أقوال المذاهب الأربعة.
وقد رأيتُ بعض أهل العلم المعاصرين يُعلِّق الأمر على السلطان، أنه إذا اختار قولًا فإنَّ حكمه يرفع الخلاف، وهذا خطأ، بل هذا مُخالفٌ لإجماع أهل العلم كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو خلاف ما قرَّره علماء المذاهب الأربعة، إذ علَّقوا الأمر بالقاضي، والقاضي سواء كان سلطانًا أو مَن دون السلطان عند الترافع إليه فإنَّ حكمه بين المُتخاصمين بقولٍ يسوغ الخلاف فيه يرفع الخلاف.
فلو اختلَف زوجان في مسألة طلاقٍ فترافعوا إلى القاضي، فحكم القاضي بأنَّ الطلاق واقعٌ، وقولُه قولٌ مُعتبَر، فلا يصح لقاضٍ آخر أو لعالمٍ آخر أن ينقُضَ قولَه بأنَّ في المسألةِ خلافًا؛ لأنَّ حكم الحاكم هنا -أي القاضي- يرفعُ الخلاف.
أما تعليقُ الأمر بالقاضي مطلقًا في غير التَّرافُع والتخاصُم فهذا خطأ، وكذلك تعليقُ الأمر بالسلطان والحاكم وأنه إذا اختار قولًا مما يسوغ الخلاف فيه فإنَّ قولَه يرفعُ الخلاف، هذا خطأ.
وأشدُّ خطأً مِن ذلك أني رأيتُ بعضهم إذا رأى الحاكم أو السلطان اختارَ قولًا حتَّى مما لا يسوغ الخلاف فيه يدعو الناس إلى العمل بهذا القول بحُجَّة أنَّ حكم الحاكم يرفع الخلاف، وهذا فيه خطآن:
الأمر الأول: خطأ في مفهوم الحاكم.
الأمر الثاني: خطأ مِن جهة أنَّ القاعدة مُقيَّدة بما يسوغ الخلاف فيه.
ومما ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى) أن قال: وأما إلزام السلطان في مسائل النزاع التزامُ قولٍ بلا حُجَّةٍ مِن الكتاب والسنة، فهذا لا يجوز باتِّفاق المسلمين، ولا يُفيد حكم حاكمٍ بصِحَّة قولٍ دون قولٍ في مثل ذلك، إلا إذا كان معه حُجَّةٌ يجبُ الرجوع إليها، فيكون كلامُه قبل الولاية وبعدها سواء، وهذا بمنزلة الكتب التي يُصنفها في العلم.
فكلامُه واضح أنَّ الحاكم لا يصح له أن يُلزِم الناس بقولٍ يسوغ الخلاف فيه، له أن ينشر قوله الذي يعتقده ويذكر دليله، والقوة والإلزام في الدليل لا في كونه حاكمًا، وبيَّن شيخ الإسلام أنَّ هذا لا يجوز بالاتِّفاق كما تقدم.
بل مما ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في (مجموع الفتاوى): إنَّ ما تنازع فيه العلماء ليس لأحدِ القضاة أن يفصل النزاع فيه بحكمٍ، وإذا لم يكن لأحدٍ مِن القضاة أن يقول: حكمتُ بأنَّ هذا القول هو الصحيح، وأنَّ القول الآخر مردودٌ على قائلِه، بل الحكم فيما تنازع فيه علماء المسلمين، أو أجمعوا عليه، قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالمًا، وإن كان مقلدًا كان بمنزلة العامة المقلدين، والمنصب والولاية لا يجعلُ مَن ليس عالمًا مجتهدًا… إلى آخر كلامه -رحمه الله-.
فالقاضي في غير حال ترافع وتخاصم الخصوم إليه فهو كغيره، وولايته لا تزيده علمًا، ولا تجعل الولاية الشرعية المقلد عالمًا، وإنما العبرة بتحصيل العلم وبمنزلته في العلم الشرعي، والعبرة عند النزاع هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
