ما حكم وضع الجبهة على يد الوالدين بعد تقبيلها مما يسمى السجدة الصغرى؟


يقول السائل: ما حكم وضع الجبهة على يد الوالدين بعد تقبيلها مما يسمى السجدة الصغرى؟

الجواب:

إنَّ مما ينبغي أن يُعلَم أنَّ السجود والانحناء والركوع لا يكون إلا لله، وأنَّ الانحناء يسمى سجودًا، كما قال سبحانه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] ذكر بعض المفسرين أنَّ المراد به الانحناء، لأنَّ معه المشي، والمشي لا يكون مع السجود وإنما يكون مع الانحناء، لذا ذكر هؤلاء أنَّ هذا الانحناء ركوعٌ وليس سجودًا، فهو انحناءٌ وركوعٌ وليس سجودًا، ومثل هذا لا يجوز إلا لله سبحانه.

إلا أنَّ الانحناء لتقبيل يد الوالدين أو ركبة الوالدين أو رجل الوالدين-والله أعلم- جائزٌ في أصله وليس محرمًا، وهو راجعٌ إلى عادات الناس، فإذا كان مِن عادة الناس فعل مثل هذا ويعدونه بِرًّا، فيُفعَل، وإذا لم يكن كذلك فلا يُعدُّ بِرًّا لا يُقال في المقابل إنه محرم، وليس هذا سجودًا ولا انحناءً محرَّمًا؛ وذلك أنَّ الانحناء نوعان:

النوع الأول: الانحناء لذات الانحناء، ومثل هذا هو المحرم.

النوع الثاني: الانحناء لأمرٍ آخر، فالمقصود هو الأمر الآخر وجاء الانحناء تبعًا، كالذي ينحني لتقبيل رأس رجلٍ أقصر منه، أو ينحني لتقبيل يدٍ، أو ينحني لتقبيل ركبةٍ أو رجلٍ، هذا الانحناء ليس مُرادًا لذاتِه وإنما مُرادٌ لغيرِه، ومثل هذا ليس داخلًا في الركوع والانحناء المحرم -والله أعلم-، وقد أشار لهذا المعنى شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في بعض أجوبته.

وتقبيلُ الرِّجل لم أرَ فيه شيئًا ثابتًا عن النبي ﷺ، لا مِن فعل الصحابة ولا مِن إقراره لأحد، وأصح ما رأيته ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مِن قصة صفوان بن عسَّال -رضي الله عنه- أنَّ يهوديًّا أتى إلى النبي ﷺ وسأله عن تسع آيات بيِّنات، فلما أجاب النبيُّ ﷺ هذا اليهودي قبَّل يد النبيِّ ﷺ، قال: فقبِّلوا يده ورجله، فقبَّلوا يده ورجله ﷺ.

لكن هذا الحديث وإن كان ظاهر إسناده الصِّحة، وصححه بعض أهل العلم، إلا أنه ضعيفٌ لا يصح عن النبي ﷺ، كما أشار لهذا ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، والزيلعي في كتابه (نصب الراية).

وأيضًا أصح ما رأيته في تقبيل اليد هو ما رواه النسائي والترمذي وأبو داود -ولفظ أبي داود أصرَح- أنَّ فاطمة -رضي الله عنها- دخلت على النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ يدها فقبَّلها. إلا أنَّ الحديث بهذه الزيادة شاذٌّ، وأصل الحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة، فهذه الزيادة شاذة وهي مِن طريق ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة بنت أبي بكر -رضي الله عنها-، فزيادة أنه ما كان أحد أشبه سمتًا بالنبي ﷺ من فاطمة …إلخ، وكانت تدخل إليه فيقوم إليها ﷺ وهي أيضًا تقوم إليه …إلخ، كل هذه الرواية -والله أعلم- شاذة، ومنها رواية أبي داود على ما تقدم ذكره، فإنَّ أصل الحديث في الصحيحين دون هذه الزيادة، فقد رواه الشيخان مِن حديث مسروق عن عائشة، ورواه الشيخان مِن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بدون هذه الزيادة، وإنما فيها أنَّ النبيَّ ﷺ سارَّها فضحكت وبكت -رضي الله عنها- …إلخ.

فإذَن لم أرَ شيئًا ثابتًا في تقبيل اليد ولا تقبيل الرِّجل، وإنما العمدة على أنَّ أمثال هذه الأفعال ليست محرمة في أصلها وإنما ترجع إلى العادات -والله أعلم-.

498_1


شارك المحتوى:
0