يقول السائل: أرى بعضهم يُردد مصطلح عدم الكراهية، ويذم الكراهية للآخرين مطلقًا، فلو تُفصِّل هذا المصطلح.
الجواب:
إنَّ أهل الباطل إذا أرادوا أن يُمرِّروا باطلهم أتوا بالاصطلاحات والألفاظ المُجملة والمُتشابِهة حتى يُمرِّروا باطِلهم، فإذا سَمِعَ مَن لا يدري ألفاظهم ظنَّ أنهم يريدون خيرًا، وهم يريدون بذلك شرًّا وباطلًا وإفسادًا للحقِّ وإفسادًا للشريعة ومُناطحة الحق.
وقد ذكر هذا الإمام أحمد -رحمه الله- في مقدمة رده على الزنادقة والجهمية، قال: يعمدون إلى المُتشابه مِن الكلام. وصدق -رحمه الله-، ومِن ذلك ذمُّ كراهية الآخرين مطلقًا، وذم أُحاديَّة التوجُّه، وذمُّ الإقصائيَّة، والدعوة إلى التعايُش، إلى غير ذلك مِن الألفاظ.
وفي مقدمة الكلام على هذا: ينبغي أن نعلم أننا عبيدٌ لله، والعبدُ لا يخرج عمَّا يريد سيده ومولاه، كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: 23] وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وقد أثنى اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ وذكرَهُ بالعبودية في مقامٍ شريفٍ وكريمٍ، وهو مقام الإسراء، لما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: 1].
وبمقتضى العبوديَّة أننا نُوسِّع ما وسَّعَ اللهُ فيه، ونُضيِّق ما ضيَّقَ اللهُ فيه، فليس لنا أن نُوسِّع ما ضيَّقَ الله ولا أن نُضيِّق ما وسَّعَ الله، ولا أنْ نُغيِّر دين الله، بل يجب أن يكون لسان حالِنا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
إلا أنَّ أهل الباطل لمَّا علموا أنَّ المسلمين يحبون الله ورسوله ويُحبِّون دين الإسلام، وهم مُطيعون له ومُنقادون، وإن كان يحصل منهم قصور ومُخالفة، لكنهم مُحبِّون لله ولرسوله ﷺ ولدينِه الحق دين الإسلام، أرادوا أن يصدُّوا الناس عن هذا الحق بأن يأتوا بهذه الألفاظ المجملة والمتشابهة ليُمرِّروا باطلهم، ومِن ذلك ذمُّ الكراهية مطلقًا، فهذا خطأ مِن جهة أنَّ هناك أُناسًا يجب أن نكرههم وفي المقابل هناك أناس يجب أن نحبهم، وتحرم كراهيتهم، فلابد أن يُفصَّل في هذه الألفاظ.
فمِمَّن يجب كراهيتهم الكفار، حتى ولو كانوا آباءنا، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية [الممتحنة: 1] بالمودة: أي بالمحبة.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51] وقال سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22] سواء كانوا كفارًا أو أهل بدع، أسأل الله أن يجعلني وإياكم مِن هؤلاء.
إذَن الكفار يجب بُغضهم، وكذلك يجب بُغض أهل البدع؛ لأنهم مِمَّن حادُّوا اللهَ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ يقول فيما أخرج الشيخان مِن حديث عائشة -رضي الله عنها-: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ»، وهذا في مُتَّبعي المتشابه وهم الكفار وأهل البدع.
وقد أجمع أهل السنة على عداء أهل البدع وهجرهم، كما بيَّن ذلك أئمة السنة في كتب الاعتقاد، فارجعوا إلى كتب اعتقادكم، كــ(عقيدة السلف وأصحاب الحديث) لأبي عثمان الصابوني، و(أصول السنة) للإمام أحمد، وعقيدة الرازيين التي حكوها عن أهل السنة، والعقيدة السنية التي نقلها وذكرها علي بن المديني، وأيضًا ابن أبي زيد القيرواني والمزني الشافعي، وغير ذلك مِن أئمة السنة، فقد بيَّنوا أنَّ أهل السنة مجمعون على عداء أهل البدع، ليسوا كفارًا لكنهم لأنهم أهل بدع عادوهم.
فإذَن نكره ما أمرَ الله بكُرهِه، ونكره مَن أمر الله بكُرهِه مِن الكفار وأهل البدع، وفي المقابل نُحب أهل الإيمان لأنهم مؤمنون ومسلمون، وكلما كان إيمانهم أكثر وأكبر أحببناهم أكثر، بل هذا مِن أسباب حلاوة الإيمان، كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجدَ بهِنَّ حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» أسأل الله أن يجعلني وإياكم مِن هؤلاء، إنه أرحم الراحمين.
وهذه هي عقيدة الولاء والبراء، نحب أهل الإيمان على حسب ما عندهم مِن الإيمان، ونُبغض الكفار ونُبغض أهل البدع، وهذا الميزان العظيم ينبغي أن نعتني به وأن نعرفه، وللأسف قد جهله كثيرون.
إذَن لا يجوز أن نُبغض أهل الإيمان، يجب أن نحبهم وأن نكون كالجسد الواحد، كما أخرج البخاري ومسلم أنَّ النبيَّ ﷺ قال في حديث النعمان بن بشير: «مثَلُ المؤمنين في توادُّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
هذه هي المحبة الحقيقية، الحب في الله والبغض في الله، وهذا معيار عظيم مِن معيار الإسلام، وهو الدِّين الذي قام عليه كتاب الله وسنة النبي ﷺ، يقول أبو الوفاء ابن عقيل: إذا أردت أن تعرف الإسلام مِن أهل زمان، فلا تنظر إلى ازدحامهم عند أبواب المساجد، ولا ارتفاع أصواتهم بلبيك، ولكن انظر لمواطأتهم لأعداء الشريعة.
والليبراليون وأمثالهم مِمَّن يُردِّد هذه المصطلحات المجملة هم متناقضون، تراهم مثلًا يُبغضون مَن يُخالفُهم، سَل الليبراليين عن الإخوان المسلمين، -والإخوان المسلمين ضُلَّال-، ومع ذلك هم يبغضونهم، سل الليبراليين عن أهل السنة السلفيين السائرين على الطريقة الشريعة، هم يُبغضونهم لأنهم مُخالفون لطريقتهم، فهم إذن مُكابرون وأهل باطل في هذا الباب، وإنما يُحاولون أن يُمرِّروا باطلهم بمثل هذا.
وأُنبِّه إلى أمر: قد تجتمع مع المخالف في بغض طائفة ورجل، هذا لا يدل على صلاح هذه الطائفة، كما قد تجتمع مع المخالفين في أصل فنجتمع نحن واليهود والنصارى في أنَّ الله في السماء، وليس معنى هذا أنهم على حق، قد تجتمع مع المخالفين في أمر وفي المقابل تختلف معهم في أمور جوهرية مما جعلتهم مخالفين.
فإذن أؤكد على أنَّ أمثال هذه المصطلحات ينبغي أن نكون حذرين فيها، فإذا قالوا: أنتم إقصائيون، فيقال: في ماذا؟ هذه عبارة مجملة، إقصائيون فيما أمر الله الإقصاء فيه؟ أي نُقصي اعتقاد الكفار؟ نُقصي اعتقاد أهل البدع؟ نُقصي مبادئ الليبرالية؟ هذا حق، لكن في المقابل لسنا إقصائيين فيما يسوغ الخلاف فيه مِن المسائل الفقهية بين أهل العلم، ولسنا إقصائيين لأهل السنة وإن خالفونا في مسائل يسوغ الخلاف فيها، كالمسائل الفقهية.
وإذا قالوا: أنتم أُحاديوا التوجه، فيقال: ماذا تريدون بأحاديي التوجه؟ نحن نجزم بأنَّنا على الحق في اعتقادنا الذي دلَّ عليه كتاب الله وسنة النبي ﷺ ونرى أنَّ مَن خالف ذلك فتوجُّهه خطأ، وهذا حق، لكن في المسائل الخلافية التي يسوغ الخلاف فيها لسنا أُحاديـي التوجه، فإذن هذه ألفاظ يجب أن يُفصَّل فيها.
ويقولون: أنتم تحاربون التعايش، فيقال: ماذا يُراد بالتعايش؟ يُراد بالتعايش أن أكون أنا في بلد ويدخله كافر بأمان فلَا أقتله ولا أعتدي عليه؟ هذا حق، لكن هل معنى التعايش ألا أُبغض الكافر لأنه كافر؟ هذا خطأ، قد أكون في بلدٍ واحد ويوجد بها رافضة سبَّابة الصحابة -رضي الله عنهم-، فقتلهم وأذيَّتهم حرام، لكن محبتهم في المقابل لا تجوز وحرام؛ لأنهم يُكفِّرون أبا بكر وعمر وعثمان، ويتَّهمون أمنا أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بالزنا، إلى غير ذلك.
فإذن لفظُ التعايش لفظٌ مجمل، أتريد أن أُحب الكافر الذي يقول إنَّ الله ثالث ثلاثة؟ أو أنَّ عزير ابنُ الله؟ أو ملحد لا يؤمن برب؟ أتريد أن أحب مَن يكره أبا بكر وعمر وعثمان؟ أتريد أن أُحب فنَّانًا وممثِّلًا يسبُّ الله وآدم -عليه السلام-؟ كلا.
فلابد أن نكون وسطًا في هذا الباب، لا إفراط ولا تفريط، ومما نحمد الله أنَّ دولتنا قامت على هذه العقيدة، ويعرف هذا حقًّا الليبراليون وأمثالهم، لذلك يُحاولون أن يُزعزعوا هذا الاعتقاد، وأنَّى لهم أن يفعلوا ذلك، بل إنَّ الليبراليين أنفسهم دعاة ثورة وفساد على الحكام، وقد ذكرتُ قبل أيام في حسابي بـ(تويتر) تغريدات لرأس مِن رؤوسهم وهو تركي الحمد الضَّال المُضِل، ذكر فيها الدعوة إلى الثورات ومُناطحة الحكومات، وقد جمعتها في حسابي بتويتر، ومَن شاء فليرجع إليها، وقد رددت عليه قديمًا في درس مسجل بعنوان: (أقوال تركي الحمد في الميزان).
فالله الله ألَّا نُخدَع بإجمالات أهل الضلالة مِن الليبراليين والإخوانيين وغيرهم، وأن نكون متمسكين بكتاب الله، وتذكروا ما أخرج الخمسة إلا النسائي مِن حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «إنه مَن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدَثات الأمور» بهذا يكون النجاة، فالاختلاف الكثير هو الدَّاء والتمسُّك بالسنة هو الدواء، أسأل الله أن يجعلني وإياكم مِن هؤلاء.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
