يقول السائل: كيف أُناظر خارجيًّا ومعتزليًّا وأشباههم كالإباضية؟
الجواب:
إنه قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن يُعلَم ما يلي:
الأمر الأول:أنَّ الأصل عدمُ جواز مُناظرة أهل البدع، وهذا بإجماع السلف كما بيَّن ذلك الإمام أحمد في (أصول السنة) التي نقلها عن السلف وبيَّن ذلك علي بن المديني وغيره مِن أئمة السنة، لكنه قد يُنتقَل عن ذلك لمصلحةٍ راجحةٍ، فإنَّ الدِّين قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، ولأجل هذا ناظَر عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- الخوارج وناظَر الإمام الشافعي حفصًا الفرد، وناظَر ابن خزيمة المعتزلة كما بيَّن ذلك في أول كتابه (كتاب التوحيد).
الأمر الثاني:لابد أن يكون المُناظِر صاحب علم، فإن لم يكن صاحب علم فلا تصح المناظرة، قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: 35] المراد بالسلطان: العلم، فذمَّ الله الذين يُجادلون بغير علم، فدلَّ بالمفهوم على صِحَّة المجادلة بالعلم، لذا جادَل إبراهيم -عليه السلام-، وجادَل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، وجادَل الإمام الشافعي، وجادَل الإمام ابن خزيمة، وغيرهم من أئمة السنة، فلا تصح المجادلة إلا مِن صاحب علمٍ، حتى لا يتقوَّل على الله بغير علم فيقع في كبيرة القول على الله بغير علم.
الأمر الثالث:ينبغي لِمَن أراد أن يُجادِل مبتدعًا في بدعته وضالًّا في ضلاله أن يعرِف حقيقة ضلاله حتى تكون حجته أقوى، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية جوابًا للإمام أحمد على المرجئة وجوابًا لأبي ثور، وأثنى على جواب الإمام أحمد، وقال: لأنَّ الإمام أحمد أعلم بالمخالفين مِن أبي ثور، فبهذا كان جوابه أقوى -رحمه الله-.
الأمر الرابع:ينبغي للمُجادِل ألا يُجادِل إلا بالكتاب والسنة، ويُجادل بالعقل الذي يدل على ما يدل عليه الكتاب والسنة، فإنَّ الشريعة جاءت بالاستدلال العقلي كما جاءت بالقياس الأولوي، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] وكما حاجَّ إبراهيم -عليه السلام- النمرود، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258] إلى غير ذلك مِن الأدلة، لكن ينبغي أن يُجعَل الأصل الكتاب والسنة، فإنهما الوحي وهما النور المستبين، وبهما تحصل الهداية، فمَن جادَل بغيرهما وأعرضَ عنهما فقد تمسَّك بغير سبيلٍ، فالأصل أن يُجادل بهما ويستعمل الدليل العقلي لتأييد أدلة الكتاب والسنة.
الأمر الخامس: أن يكون المُجادِل مُهاجمًا لا مُدافعًا، وإذا اضطرَّ للدفاع يُدافع ثم يعيد الكرَّة هجومًا، فإنَّ المهاجم في الغالب يظفر بخلاف المُدافع، ومِن ذلك أنَّ كثيرًا مِن المتكلمين في هذا الزمن إذا أورَد أهل السنة أدلتهم قالوا: أدلتكم غير قطعية، مع أنها أدلة مبنية مِن الكتاب والسنة، فإذا أوردوا دليلًا مِن الكتاب قالوا: هو قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، وهكذا إذا أوردوا دليلًا مِن السنة قالوا: هو ظني الدلالة ظني الثبوت، إلى غير ذلك، لذا مِن المهم أن يُقلَب الأمر عليهم، يُقال لهم: اذكروا لنا دليلكم على تأصيلكم البدعي؟ فلابد أن يفزعوا إلى دليل عقلي، والأدلة العقلية ليست قطعية في غالبها، فإنها مِن عقول البشر الضعيفة التي يختلف بعضها عن بعض، بل عقل الرجل في نفسه يختلف مِن حين إلى آخر، لذا إذا تبيَّن هذا فنُؤمر نحن وإياهم بالرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة، فلابد أن يكون المُقرر للحق والمناظر للباطل مُهاجمًا لا مُدافعًا، هذا الأصل.
بعد هذا، ما ذكره السائل مِن الخوارج والمعتزلة والإباضية، هؤلاء يجتمعون في كونهم يُكفرون بالكبيرة، فالخوارج يُصرحون بذلك، يكفرون بالكبيرة في الدنيا والآخرة، أما المعتزلة فيقولون بالمنزلة بين المنزلتين، في الدنيا لا يكفرون في ظاهر الأمر -وإن كان الحقيقة يُكفِّرون- وفي الآخرة يجعلونه خالدًا مُخلَّدًا في النار، ومثلهم الإباضية لكنهم يسمون ذلك كفر نعمة في الدنيا وفي الآخر صاحب الكبيرة خالد مُخلَّد في النار.
فالرد على مثل هؤلاء أن تُذكر الأدلة في بيان أنَّ الإيمان ثبَت ووُجِدَ مع وجود الكبائر، ومِن ذلك أنه في القتل لما ذكر الله القتل قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] أثبتَ الأخوة مع وجود القتل مِن الرجل، فدلَّ هذا على أنه مؤمن.
والدليل الثاني: أنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ الآية [الحجرات: 9] فأثبَت الإيمان مع وجود الاقتتال.
والدليل الثالث: كلُّ دليلٍ في إقامة الحدود بقطع يد السارق، ورجم الزاني، وجلد الزاني كما في القرآن، وكذلك رجمه كما في السنة، فكل هذه الأدلة تدلُّ على أنَّ الكبيرة وُجِدت ومع ذلك بقي الإيمان، لذا أُقيمَ الحد عليه.
والدليل الرابع: أنَّ الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] فجعل القسمة ثنائية، ما بين شرك وما دونه، فما دون الشرك لا يكفر به صاحبه، وقد يعترضون على بعض هذه الأدلة باعتراضات لكنها عند المُحاقَّة يتبيَّن ضعفُ اعتراضهم، بل سقوطه ووهاؤه.
بعد هذا، ينبغي أن يُتنبَّه إلى أدلتهم، فإنَّ كثيرًا مِن هؤلاء إذا استدلَّ استدلَّ بالأدلة في الكفر الأكبر، فيجعلها دليلًا على التكفير بالكبيرة، كما قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81] فيجعلون السيئة في الكبيرة وليست خاصَّةً بالكفر، فيُقال: هذا ظاهر النص فيما تظنون، لكنه يردُّه سياق الآيات، والجهة الثانية الآيات الأخرى في التكفير بالكفر دون غيره، وقد تقدم بيان الأدلة التي أثبتت أنَّ الإيمان وُجد مع الذنوب والمعاصي، والقرآن يُفسِّر بعضه بعضًا.
وأخيرًا: إنَّ كثيرًا مِن العامة لو عرَف حقيقة الاعتقاد الذي عليه الخوارج مِن أنهم يقولون بتكفير الناس بالكبيرة، كأنَّ فلانًا صاحب الكبيرة كافر، وأنهم يُكفِّرون الصحابة كعثمان أو علي، لو علم كثيرٌ مِن العامة ذلك لنفَرَ منهم، لذا ينبغي أن يُشاع مثل هذا، فإنه سبيل وطريق قوي في تنفير العامة منهم، ومثل ذلك يُقال في المعتزلة وأنَّ قولهم منزلة بين المنزلتين حقيقته التكفير، وأنهم يُكفرون الصحابة، ومثل ذلك يُقال في الإباضية، فإنه لو نُشِر بين كثير مِن الإباضية -لاسيما في عمان وفي المغرب- أنَّ حقيقة المذهب أنهم يُكفِّرون عثمان وعليًّا وأنَّ موقفهم كذا وكذا مِن الصحابة، فأنا متأكد أنَّ كثيرًا مِن العامة سينفر منهم، لكن الإباضية روَّجوا مذهبهم بأمورٍ عاطفيةٍ وحاولوا أن يصدوا العامة عن حقيقة معتقدهم.
وأخيرًا، وينبغي أن يُبيَّن -للإباضية خاصة- أنَّ مسند الربيع بن حبيب لا وجود له، ويُؤمر بمن استطاع منهم أن يطلع ويُراجع، ارجعوا إلى القرون الأوَل، لا تجدون لهذا الكتاب ذكرًا، ولو كان الكتاب حقًّا لكان موجودًا عند الأولين ولَمَا كان معدومَ الذكر لا يُعرَف حتى شُهِر في القرون المتأخرة.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
