﷽
| الخطبة الأولى |
( عادة السهر أضرارها ومخالفاتها (
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَكُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِمَّا يَضُـرُّكُمْ فِي دِينِكُمْ أَوْ دُنْيَاكُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: مَعَنَا فِي خُطْبَةِ الْيَوْمِ مَوْضُوعٌ مُهِمٌّ جِدًّا، عَنْ عَادَةٍ سَيِّئَةٍ صَارَتْ تَنْتَشِرُ بَيْنَ النَّاسِ انْتِشَارَ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ، عَادَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمُخَالِفَةٌ لِلْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَمُخَالَفَةٌ لِلْقَوَاعِدِ الصِّحِيَّةِ الطِّبِيَّةِ، إِنَّهَا عَاَدةٌ تُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَاتٍ شَرْعِيَّةٍ، وَإِلَى أَضْرَارٍ بَدَنِيَّةٍ، وَمَفاسَدَ اجْتِمَاعِيَّةٍ، إِنَّهَا عَادَةُ السَّهَرِ بِاللَّيْلِ وَالنَّوْمِ بِالنَّهَارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ السَّهَرَ إِلَى الْفَجْرِ أَوْ إِلَى قَرِيبٍ مِنْهُ مُخَالِفٌ لِشَرْعِ اللهِ، وَمُخَالِفٌ لِطَبِيعَةِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَلَهُ آثَارٌ سَيِّئَةٌ خَطِيرَةٌ؛ فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَمَحَلًّا لِلرَّاحَةِ وَالطُّمْأَنْيِنَةِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾.
فَاللَّيْلُ وَقَتُ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ، وَالنَّهَارُ وَقْتُ النَّشَاطِ وَالْحَيَوِيَّةِ وَطَلَبِ الرِّزْقِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُشَاهَدَ أَنْ نَوْمَ النَّهَارِ لا يَكُونُ عِوَضًا وَلا بِدَيلاً عَنْ نَوْمِ اللَّيْلِ؛ فَاللَّيْلُ هُوَ السَّكَنُ، وَهُوَ وَقْتُ الرَّاحَةِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ: >أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا< [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. فَهَذَا حَدِيثٌ وَاضِحٌ فِي كَرَاهَةِ السَّهَرِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ تُصَلَّى مِنْ بَعْدِ مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ إِلَى نِصفِ اللَّيْلِ؛ فَلا يَنْبَغِي السَّهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا لِحَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: >جَدَبَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ< [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَمَعْنَى جَدَبَ إِلَيْنَا السَّمَرَ: أَيْ عَابَهُ وَذَمَّهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَا أَكْثَرَ مَنْ يَتَخَلَّفُ عَنْ صَلاةِ الْفَجْرِ، خَاصَّةً فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ فِي رَمَضَانَ صَارَ التَّخَلُّفُ عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِوالعصر وَالنَّوْمُ عَنِ الصَّلَاةِ خَطِيرٌ جِدًّا؛ فَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي عَذَابِ الْقَبْرِ الْعَذَابِ الْفَظِيع؛ فَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا، قَالَ: >أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ< [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
بَلْ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَبَّبَ لَهُ السَّهَر تَرْكَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ التِي هِيَ مِنْ أَهَمِّ الصَّلَوَاتِ، وَالتَّخَلُّفُ عَنْهَا مِنَ الذُّنُوبِ الْكَبِيرَاتِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: >لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ< [رَوَاهُ مُسْلِم].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَمْ تَسَبَّبَ السَّهَرُ فِي ضَيَاعِ كَثِيرٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الاجِتْمَاعِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ وَالْوَظِيفِيَّةِ؛ فَمَا وَكَمْ يُعَانِي الْمُدَرَاءُ مِنْ تَغْطِيَةِ الْخَلَلِ الذِي يُسَبِّبُهُ غِيَابُ الْمُوَظَّفِ، وَمَا أَكْثَرَ مَا عَانَتِ الْأُمَّهَاتُ فِي الْبُيُوتِ مِنْ عَدَمِ قَضَاءِ حَاجِيَّاتِ الْبَيْتِ؛ بَلْ ضَرُورِيَّاتِهِ بِسَبَبِ إِهْمَالِ رَبِّ الْأُسْرَةِ فِي قَضَائِهَا لِأَنَّهُ يَسْهَرُ بِاللَّيْلِ وَيَنَامُ بِالنَّهَارِ، بَلْ رُبَّمَا اضْطَرَّ أَحَدُ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ لِلطَّبِيبِ فَلا يَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ لِلْمُسْتَشْفَى، وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْعَادَةِ الْقَبِيحَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا سَبَقَ فَإِنَّ السَّهَرَ نَتَائِجُهُ عَكْسِيَّةٌ، عَلَى صِحَّةِ الْمَرْءِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ، فَمَا أَشَدَّ تَأْثِيرَ السَّهَرِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَمَا أَوْضَحَ نَتَائِجَه عَلَى سَعَادَةِ الْقَلْبِ. قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ: إِنَّهُ مَعَ تَغَيُّرِ مَوَاعِيدِ النَّوْمِ يَصْحُو الإِنْسَانُ مُتَأَخِرًا وَتَتَغَيَّرُ مَوَاعِيدُ وَجَبَاتِهِ الْغِذَائِيَةِ، خَاصَةً لَدَى صِغَارِ السِّنِّ وَالشَّبَابِ، وَهَذَا بِدَوْرِهِ يُؤَدِّي إِلَى الْبِنْيَةِ الْهَزِيلَةِ وَضَعْفِ الْمُقَاوَمَةِ، وَيُعَرِّضُ الْجِسْمَ لِمُخْتَلَفِ الْأَمْرَاضِ بِسُهُولَةٍ.
وَأَمَّا الْأَضْرَارُ النَّفْسِيَّةُ: فَإِنَّ مَنْ أَصْبَحَ السَّهَرُ عَادَةً لَدَيْهِ يَبْدُو مُتَعَكِّرَ الْمِزَاجِ سَرِيعَ الاسْتِثَارَةِ غَيْرَ قَادَرٍ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَهَامِّ التِي تَتَطَلَّبُ الْجُهْدَ وَالتَّرْكِيزَ، وَكَثِيرٌ مَا يُرَاجِعُ الْعِيَادَةَ النَّفْسِيَّةَ أَشْخَاصٌ لَدَيْهِمْ مُشْكِلَاتٌ نَفْسِيَّةٌ وَبَدِنِيَّةٌ نَاتِجَةٌ عَنِ اضْطِرَابَاتٍ فِي النَّوْمِ، وَأَهَمُّ ذَلِكَ الْكَآبَةُ وَالْحُزْنُ، وَتَعَكُّرُ الْمِزَاجِ وَسُرْعَةُ الانِفْعَالِ، وَالْقَلَقُ وَالتَّوَتَّرُ.
بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يُصَابُ بِالْهَذَيَانِ وَالتَّشَتُّتِ الذِّهْنِيِّ، وَقَدْ سُجِلَتْ بَعْضُ الْحَالاتِ التِي أُصِيبَ أَصْحَابُهَا بِالْجُنُونِ مِنْ كَثْرَةِ السَّهَرِ لَيْلًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَأَمَّا أَضْرَارُ السَّهَرِ عَلَى ذَاكِرَةِ الِإْنِسَانِ وَالْجِهَازِ الْعَصَبِيِّ، فَقَدْ أَكَدَّتِ الدِّرَاسَاتُ وَالْبُحُوثُ أَنَّ السَّهَرَ مِنْ أَقْوَى الْعَوَامِلِ الْمُؤَثِّرَةِ عَلَى الِجهَازِ الْمَنَاعِيِّ وَالْمُثَبَّطِةِ لِنَشَاطِ ذَاكِرَةِ الْجِسْمِ الْمَنَاعِيَّةِ وَحَرَكَةِ خَلَايَا الْجِهَازِ الْمَنَاعِيِّ، وَمِنْ أَسْبَابِ ضَعْفِ التَّرْكِيزِ، وَسُرْعَةِ النِّسْيَانِ وَالْكَسَلِ وَالْفُتُورِ وَسُرْعَةِ الْإِجْهَادِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ: قَبْلَ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ كَانَ النَّاسُ عِنْدَنَا يَنَامُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَيَنْهَضُونَ مَعَ بَوَاكِيرِ الْفَجْرِ الْأُولَى مُكْتَمِلِي الْحَيَوِيَّةِ وَالنَّشَاطِ، وَمَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَنْصَرِفُ كُلُّ طَرَفٍ إِلَى مُهَمَّاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ. آنَذَاكَ كَانَتِ مُعَدَّلاتُ الإِصَابَةِ بِالسُّكَّرِي وَضِيقِ الشَّرَايِينِ وَتَصَلُّبِ الْمَفَاصِلِ وَالاعْتِلَالاتِ الْهَضْمِيَّةِ تَكَادُ تَكُونُ صِفْرًا.
عِبَادَ اللَّهِ: أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيل فَاسْتَغفِرُوه إنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
| الخطبة الثانية |
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ الله: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمُر أحيانًا فِي بَعْضِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ عُمَرُ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : >كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ اللَّيْلَةَ فِي الْأَمْرِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُ< [أَخْرَجَهُ أَحْمَد والتِّرمِذي] .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: >لَا سَمَر إِلا لأَحَدِ رَجُلَيْن : لمصلٍ أَوْ مُسَافِرٍ< [أَخْرَجَهُ أَحمَد]. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: >السَّمَر لِثَلَاثَة: لعَرًوسٍ، أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ مُتَهَجِّدٍ بِاللَّيْل<، وَقَد بَوَّب الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : { بابًا فِي السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ وَالضَّيْف ، وبابًا فِي السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْر }.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْحَدِيثَ بَعْدَ الْعِشَاءِ مَكْرُوهٌ؛ إلَّا مَا كَانَ فِي خَيْرٍ أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ الْحَوَائِجِ ، وَكُلّ سَهَرٍ أَدَّى إلَى تَضْيِيعِ وَاجِبٌ شَرْعِيّ فَإِنَّهُ يَكُونُ سهرًا محرمًا ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِي طَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ وَمُطَالَعَةٍ وَاسْتِفَادَةٍ ، وَكُلّ سَهَرٍ أَدَّى إلَى الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ فَهُو سَهَرٌ مُحَرَّمٌ ، وَالسَّهَرُ في طَاعَةِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَيَاعُ وَاجِبٍ أَوْ فَوَاتِ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ أَعْلَى وَأَرْجَح مِنْهُ فَإِنَّهُ سَهَرٌ مَحْمُودٌ.
أَيّهَا الْمُسْلِمُونَ : لَقَد اِسْتَمْرَأ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ السَّهَر الْمُحْرَّمَ الَّذِي أَدَّى بِأَكْثَرِهِم إِلَى تَضْيِيعِ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى خُرُوجِهَا عَنْ وَقْتِهَا ، وَصَارَ الَّذِين يَشْهَدُونَها فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسَاجِدِ أفرادًا مَعْدُودِينَ مَحْدُودِينَ ، وَأَصْبَحَ هَذَا السَّهَرُ أَمْرًا عَادِيًا وطَبِعِيًا لَا تُنْكِرُه أَكْثَرَ الْقُلُوبِ، مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: >أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنَ الرَّغَائِبِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا< [متفق عليه] ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : >وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ< [أخرجه مسلم].
فَاتَّقِ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ، وَإِيَّاكَ وَالسَّمَرُ الْمَذْمُومِ وَالسَّهَرُ المَشْؤُومِ ، وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ، ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَـانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّـالِمِينَ﴾.
وَاحْذَرْ أَنْ تَطْوِيَ اللَّيَالِي عُمُرِكَ طيًا طيًا وَأَنْتَ فِي لَهوِكَ لَا تَزْدَادَ إلَّا غَيَّاً ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّحَظَاتِ وَالْخَطَرَاتِ واللَّفَظَاتِ وَالْخُطُوَاتِ كُلُّهَا مَكْشُوفَةٌ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وأَصْغِ السَّمْعَ لِقَوْل الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : >مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ إلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةٌ< [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاود] .
وَقَوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : >مَا جَلَسَ قَوْمٌ مجلسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ وَلَمْ يَصِلُوا عَلَى نَبِيِّهِم فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تَرَه ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُم بِهِ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُم< [أَخْرَجَهُ أَحمَد].
أَيّهَا الْمُسْلِمُونَ : سَاعَاتُ الْأَسْحَارِ سَاعَاتُ تَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَتَضَرُّعٍ وَانْكِسَارٍ ، يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : >يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ< [مُتَّفَقٌ عَلَيه] وَيَقُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : >أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرُّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُن< [أَخْرَجَهُ التِّرمِذي].
اللهُمَّ أعزَّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الـشِّـرْكَ والمُـشـْرِكِين، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّين.
اللهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَنِنَا، وَأَصْلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.
اللهُمَّ وفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك، وتحكيم شرعك.
اللهُمَّ وَفِّق إمَامَنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ لِما فِيه عِزُّ الْإِسْلَامَ وَصَلَاحُ الْمُسْلِمِين.
اللهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَإِخْوَانَه وَأَعْوَانَه لِما تُحِبُهُ وتَرْضَاه.
اللهُمَّ احفظ جنودنا المرابطين ورجال أمننا، وسدد رميهم يا رب العالمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ وَإيتاءِ ذِي القُربى وَيَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرونَ﴾.
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
جمع وتنسيق/ عبد الله بن مـحمد حسين النجمي
خطيب جامع الحارة الجنوبية بالنجامية بمنطقة جازان
