أضرار التسرع في الطلاق والتساهل فيه


« أضرار التسرع في الطلاق والتساهل فيه»

محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام

18/1/ 1448

الخُطْبَةُ الأُولَى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ آيَاتِ اللهِ الدَّالَةِ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ ، أَنْ خَلَقَ لَنَا مَنْ أَنْفُسِنَا وَمِنْ بَنِيِ جِنْسِنَا أَزَوَاجاً تَنَاسِبُنَا، وَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ وَالْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ: الْأُنْسُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْاِسْتِقْرَارُ وَالْمَوَدَّةُ، وَعِمَارَةُ الْأرْضِ بِوُجُودِ الذَّرِّيَّةِ ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ – «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ » [ متفق عليه ]

وَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ شَرَاكَةُ حَيَاةٍ، لَا مَعْرَكَةُ انْتِصَارٍ، وَمَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ، لَا مُغَالَبَةٌ وَمُخَاصَمَةٌ، يَقُومُ بُنْيَانُهَا عَلَى التَّقْوَى ، وَيَثْبُتُ عَلَى الْمَحَبَّةِ، ، وَيَزْدَهِرُ بِالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ ، وَيَدُومُ بِالتَّغَافُلِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ .

وَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ تَطْرَأُ عَلَيْهَا الْمُكَدِّرَاتُ، وَتَنْتَابُهَا الْخِلَافَاتُ، فَلَا يَسْلَمُ مِنْهَا بَيْتٌ، وَلَا يَنْجُو مِنْهَا زَوْجَانِ، وَلَكِنَّ الْمُوَفَّقَ مَنْ يَجْعَلُ مِنَ الْخِلَافِ سُلَّمًا لِلْإِصْلَاحِ، وَمِنَ الْعَفْوِ مِفْتَاحًا لِلْوِفَاقِ، وَمِنَ الصَّبْرِ سَبَبًا لِدَوَامِ الْمَوَدَّةِ، وَمِنْ تَقْوَى اللَّهِ – قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ – عِصْمَةً لِلْبَيْتِ وَالْأُسْرَةِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِمَّا يُكَدِّرُ صَفْوَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ : التَّسَاهُلُ بِالطَّلَاقِ وَالتَّسَرُّعُ فِيهِ ، مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي عَوَاقِبَ وَخِيمَةٍ ، وَآثَارٍ سَلْبِيَّةٍ عَلَى الأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَالَّتِي مِنْهَا: التَّفَكُّكُ الأُسَرِيُّ الَّذِي يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى الأَطْفَالِ الَّذِينَ يُعَانُونَ مِنْ غِيَابِ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ أَوْ كُلٍّ مِنهُمَا، وَكَذَلِكَ مَشَاعِرُ الْقَلَقِ وَالاِكْتِئَابِ، وَفَقْدُ الاسْتِقْرَارِ لِلأُسْرَةِ بِأَكْمَلِهَا.

وَمِمَّا يُكَدِّرُ صَفْوَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ : التَّسَرُّعُ فِي طَلَبِ الطَّلَاقِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ مُعْتَبَرٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي الْإِصْلَاحِ وَالصُّلْحِ ، وَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ الطَّلَاقَ حَلًّا أَخِيرًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعِشْرَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ وَسِيلَةً لِكُلِّ خِلَافٍ يَسِيرٍ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ – «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» [صحيح أبي داود]

وَالْمَرْأَةُ الْمُؤْمِنَةُ الْعَاقِلَةُ تَحْرِصُ عَلَى بَقَاءِ بَيْتِهَا، وَتَسْعَى إِلَى الْإِصْلَاحِ، كَمَا أَنَّ الزَّوْجَ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ زَوْجَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَمَّلَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ الْمَسْؤُولِيَّةَ عَلَى إِطْلَاقِهَا، بَلْ تُنْظَرُ كُلُّ حَالَةٍ بِحَسَبِ ظُرُوفِهَا وَبِالْعَدْلِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [ النساء : 15 ]

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مِنَ الأَعْمَالِ أَخْلَصَهَا وَأَزْكَاهَا، وَمِنَ الأَخْلاَقِ أَحْسَنَهَا وَأَكْمَلَهَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ دِينَنَا الْحَنِيفَ اهْتَمَّ بِالْأُسْرَةِ اهْتِمَامًا خَاصًّا مُنْذُ إِنْشَائِهَا، فَحَثَّ عَلَى الزَّوَاجِ، وَبَيَّنَ أَحْكَامَ الْخِطْبَةِ، وَشَرَّعَ النِّكَاحَ، وَضَبَطَ مَا لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَوَضَعَ قَاعِدَةً لِكِلَا الزَّوْجَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ النساء: [19]

وَوَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَقْدَ النِّكَاحِ أَدَقَّ وَصْفٍ وَأَشْمَلَهُ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النساء: [21].

وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمِيثَاقَ الْغَلِيظَ هُوَ كَلِمَةُ النِّكَاحِ الَّتِي يُسْتَحَلُّ بِهَا الْفَرْجُ، قَالَ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ – : « فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ » [ أخرجه مسلم ]

وَلِعِظَمِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَمَكَانَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ، كَانَ الْأَصْلُ فِي عَقْدِ الطَّلَاقِ الْكَرَاهَةَ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَجَاءَ النَّهْيُ عَنِ التَّسَاهُلِ فِيهِ، فَشَرَعَ الْإِسْلَامُ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَنَهَى الرَّجُلَ أَنْ يُطَلِّقَ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ، وَجَاءَتِ النُّصُوصُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ نَقْضِ عَقْدِ النِّكَاحِ، أَوِ التَّهَاوُنِ فِي شَأْنِهِ.

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى وَالنَّبِيِّ الْمُجْتَبَى، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ الْأَعْلَى : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ، وَالاعْتِصَامَ بِالْحَبْلِ الْمَتِينِ، حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَنَا ، وأَمِّنْ أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَمِّنْ حُدُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، وَجَمِيعَ وُلاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


شارك المحتوى:
0