[ من آداب المنفق والآخذ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
فإن من واجبات الأخوة الإيمانية التي حث عليها النبي ﷺ التراحم والتعاون بين المسلمين، وقد وصفهم ﷺ بأنهم كالجسد الواحد والبنيان المرصوص، كما روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [1]، وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» [2]، وروى البخاري ومسلم عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» [3].
فيحزَن لحُزنه ويفرح لفرحِه، ويقف معه في حال شدِّتِه، ويُعينه في ذلك بالمال والجاه والكلمة الطيبة، ويُحب ستره ويكره فضيحته، وغير ذلك مما يحبه لنفسه ويكره لنفسه.
وقد جعلَ الله تعالى أحد مباني الإسلام العِظام الزكاة والصدقات، ومِن غاياتها: التكافل بين المسلمين وقيام الأغنياء بحاجات الفقراء، ومِن قضاء الله الكوني أن خلَق الناس درجات، منهم الغني ومنهم الفقير، ومنهم القوي ومنهم الضعيف، كما قال سبحانه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32].
وينبغي لمَن أغناهُ الله وأراد أن يُنفِق على إخوانِه المحتاجين أن يتحلَّى ببعض الآداب:
الأدب الأول: أن يُخلِص النية لله تعالى، وأن يبتغي بإعانتِه المحتاجين اللهَ والدارَ والآخرة، قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9] لا رياءً ولا سمعةً، ولا بدافع المعاني “الإنسانية” المجردة عن الإيمان والاحتساب [4].
قال سبحانه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: 17-21] قال ابن كثير: ” أي: ليس بَذْله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك (ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى) أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله تعالى: (وَلَسَوْفَ يَرْضَى) أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات ” [5].
وأيضًا مما يدخل في حُسن النية أنه في حال عدم استطاعته يعزم النية على البذل للآخرين إن قدر على ذلك، فإنه يُؤجَر بهذه النية، كما في الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «… فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» [6].
الأدب الثاني: الحذر مِن المَنِّ والأذى، أي أن يفعل مع مَن أحسن إليه مكروهًا حسيًّا أو معنويًّا، وهذا مُحبط للأعمال، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 262-264].
وهذه صفة ذميمة تدل على كبر في النفس، فإن النبي ﷺ عرَّف الكِبر بقوله: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» [7]، وغمط الناس: أي احتقارهم.
الأدب الثالث: أن يُنظِر المُعسرين إذا أدانهم، أو أن يتجاوَز عن شيء مِن الدَّين، أو أن يعفو عنه كله، روى الإمام مسلم عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» [8]، وروَى البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» [9]، ويدخل في عموم قوله ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [10]، فالجزاء من جنس العمل.
الأدب الرابع: الأفضل أن تكون الصدقة سرًّا؛ قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] وهذا أبلغ في الإخلاص وأحفظ لكرامة الفقير والمسكين.
الأدب الخامس: من كمال الإخلاص ألا يكون باعثه على الإحسان انتظار الدعاء أو المكافئة ممن أحسن إليهم؛ فإن الدعاء مكافأة، كما قال ﷺ: «وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ، فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» [11]، وإذا دعا له الفقير والمسكين فيدعو له بمثل دعائه حتى يبقى أجره كاملًا، وقد كان من هدي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- “إذا أرسلت إلى قوم بصدقة تقول للرسول: اسمع ما يدعون به لنا حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا لنا ويبقى أجرنا على الله” [12].
وينبغي للمحتاج الذي يأخذ مِن إخوانِه الأغنياء التحلِّي ببعض الآداب، منها:
الأدب الأول: أن يُعلِّق قلبه بالله سبحانه، وأن يوقن بأن الخير والرزق منه وحده سبحانه، وأن يجعل مساعدة الأغنياء مجرد أسباب لا أكثر ولا أقل، قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: 21] قال العلامة السعدي: “الرزق كله من الله، فلو أمسك عنكم رزقه، فمن الذي يرسله لكم؟ فإن الخلق لا يقدرون على رزق أنفسهم، فكيف بغيرهم؟ ” [13]، وكلما تعلق القلب بغير الله في الرزق وغيره نقص التوحيد وزادت الغفلة عن الله، ” وأما الطمع فيما في أيدي الناس، فيُزيله بأن يعلم بأنَّ الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء، وأنه لا رازق سواه، ومن طمع في الخلق لم يخلُ من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد لم يخل من المنة والمهانة، فكيف يترك ما عند الله برجاءٍ كاذبٍ ووهمٍ فاسد؟ ” [14].
الأدب الثاني: الأصل في المؤمن الاستغناء عن سؤال الناس ما استطاع؛ فإن سؤال الناس نقص، كما قال ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله» [15]، وفي رواية لمسلم: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ، وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ، أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ» [16]، بل إن النبي ﷺ بايَع بعض الصحابة الكرام على ألا يسألوا الناس شيئًا [17]، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خِطام ناقتِه فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه، قال ابن تيمية: “فإن سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي من نوع الشرك. ومفسدة إيذاء المسؤول وهي من نوع ظلم الخلق. وفيه ذل لغير الله وهو ظلم النفس” [18].
الأدب الثالث: ألا يتساهل في طلب الدَّين إلا في الضرورة؛ فالتساهل في الدَّين شديد الخطورة، فيُدخل المرء في دوامة الديون التي لا تنتهي، لاسيما في وقتنا المعاصر الذي توسَّع فيه الناس في الترف والمباحات، وصار البعض يستدين فوق طاقتِه لأجل شراء التوافه، ومما زاد الأمر سوءً كثرة المغريات في الإعلانات ووسائل التواصل، وانتشار شركات التقسيط التي سهلت شراء كل شيء بالدَّين، من أصغر الأشياء لأكبرها، فغرق كثير من الناس في الديون الطائلة، فضلًا عن اشتمال كثير من شركات التقسيط على الربا والعقود المحرمة.
الأدب الرابع: ألا يأخذ شيئًا مما علم أنه مالٌ حرام، كأن يعطيه مالًا وهو يعلم أنه مسروق، وهذا هو عين التعاون على الإثم والعدوان، وأكلُ الحرام مِن أعظم أسباب منع إجابة الدعاء ومحق البركة [19]، والتعرُّض لعقوبة الله وسخطه في الدنيا والآخرة.
الأدب الخامس: أن يشكر من أسدى إليه معروفًا، ويدعو له بالخير، وفي الحديث: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» [20]، وقال ﷺ: «وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ، فَادْعُوا لَهُ، حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» [21].
فإذا قام المسلمون بهذه الآداب انتشر التعاون على البر
والتقوى فيقوى التآلف بين المسلمين، وتنحسر أسباب العداوة والبغضاء والحسد، ونال
الجميع الأجر والثواب في الدنيا والآخرة.
[1] البخاري (8 / 10) رقم: (٦٠١١) ط السلطانية، ومسلم (8 / 20) رقم: (٢٥٨٦) ط التركية.
[2] البخاري (1 / 103) رقم: (٤٨١) ط السلطانية، ومسلم (8 / 20) رقم: (٢٥٨٥) ط التركية.
[3] البخاري (1 / 12) رقم: (١٣)، ومسلم (1 / 49) رقم: (٤٥).
[4] انظر مقال بعنوان: (وقفة مع لفظ الإنسانية): https://www.islamancient.com/?p=38191
[5] تفسير ابن كثير (8 / 422) دار طيبة – ط2، ت: السلامة.
[6] البخاري (8 / 103) رقم: (٦٤٩١) ط السلطانية، ومسلم (1 / 83) رقم: (١٣١) ط التركية.
[7] مسلم (1 / 65) رقم: (٩١) ط التركية.
[8] مسلم (8 / 231) رقم: (٣٠٠٦) ط التركية.
[9] البخاري (3 / 58) رقم: (٢٠٧٨) ط السلطانية، ومسلم (5 / 33) رقم: (١٥٦٢) ط التركية.
[10] سنن الترمذي (4 / 323) رقم: (١٩٢٤) ت: بشار.
[11] مسند أحمد (9 / 266) رقم: (٥٣٦٥) ط الرسالة، وسنن أبي داود (3 / 104) رقم: (١٦٧٢) دار الرسالة – ط1، ت: الأرنؤوط، والسنن الكبرى للنسائي (3 / 65) رقم: (٢٣٥٩) مؤسسة الرسالة – ط1.
[12] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 67) مكتبة الفرقان – ط1، ت: ربيع المدخلي. والأثر رواه النسائي في السنن الكبرى (9 / 121) رقم: (١٠٠٦٢) مؤسسة الرسالة – ط1.
[13] تفسير السعدي (ص 877) مؤسسة الرسالة – ط1.
[14] مختصر منهاج القاصدين (ص 222)، دار الصفا، تحقيق: خالد بن محمد عثمان.
[15] البخاري (2 / 112) رقم: (١٤٢٧) ط السلطانية، ومسلم (3 / 94) رقم: (١٠٣٣) ط التركية.
[16] صحيح مسلم (3 / 96) رقم: (١٠٤٢) ط التركية.
[17] صحيح مسلم (3 / 97) رقم: (١٠٤٣) ط التركية.
[18] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص 70) مكتبة الفرقان – ط1، ت: ربيع المدخلي.
[19] كما في صحيح مسلم (3 / 85) رقم: (١٠١٥) ط التركية: «… ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟».
[20] سنن أبي داود (4 / 255) رقم: (4811) المكتبة العصرية – بيروت، والأدب المفرد للبخاري (1 / 85) رقم: (218) ت: عبد الباقي.
[21] مسند أحمد (9 / 266) رقم: (٥٣٦٥) ط الرسالة، وسنن أبي داود (3 / 104) رقم: (١٦٧٢) دار الرسالة – ط1، ت: الأرنؤوط، والسنن الكبرى للنسائي (3 / 65) رقم: (٢٣٥٩) مؤسسة الرسالة – ط1.
