يقول السائل: ما السبب في ذمِّ القصاص والوعَّاظ؟ مع أنهم يعظون ويقصون بما في الكتاب والسنة أو ما حدَث للسلف من قصص؟ وهل مَن يقصُّ قصص الأنبياء وقصص السلف يعتبر من القص المذموم؟
الجواب:
إنَّ العلماء تكلموا كثيرًا على القَصِّ، وأُلِّفت في ذلك كتبٌ، وممن تكلم في ذلك وألَّف فيه كتابًا ابن الجوزي، والعراقي، والسيوطي، وغيرهم من أهل العلم، وخلاصة الكلام حول القَصِّ: أنَّ القَصَّ نوعان:
النوع الأول: القَصُّ بمعنى بالوعظ والتذكير.
النوع الثاني: القَصُّ بمعنى إيراد القصص.
أما النوع الأول وهو القَصُّ بمعنى الوعظ والتذكير، فهذا ليس مذمومًا لذاته، لذا ما جاء عن السلف في عدم ذمِّ القص بذاته فهم يريدون به الوعظ، وإنما هو مذمومٌ بما يحتَفُّ به كثيرًا، فمَن أورده على وجهٍ مذمومٍ فإنه يُذم، وإلا الأصل هو مطلبٌ شرعيٌّ وفيه نفعٌ كبيرٌ للناس، لكن يحتفُّ به كثيرًا ما يجعله مذمومًا عند كثير من الناس، أما مَن لم يوجد عنده ما يجعله مذمومًا فإنَّ الأصل جوازه، بل استحبابه؛ لأنَّ فيه إحياء القلوب، وكلام السلف من الصحابة ومَن بعدهم كثيرٌ في وعظ الناس.
أما المعنى الثاني وهو القَصُّ بمعنى إيراد القصص، فليس داخلًا في هذا المعنى ذكرُ قصص القرآن أو قصص الأنبياء أو قصص السلف، وإنما المراد بأن يذكر قصص الناس وما يجري مِن الناس لأجل أن يعظ الناس وأن يخوفهم وأن يرغبهم في الخير وغير ذلك.
فإذن إيراد القصص والقَصُّ ليس له معنى واحد، بل له معنيان على ما تقدم ذكره، أما المعنى الأول وهو بمعنى الوعظ فليس مذمومًا لذاته وإنما بما يحتفُّ به، ومما يحتفُّ به أنَّ كثيرًا مِن القاصِّين يكون جاهلًا، فإذا تصدَّر وعرَفه الناس أقبلوا عليه وأخذوا يسألونه في دين الله، وأخذ يتكلم في دين الله جهلًا، لأجل هذا ذمَّ هذا الأمر السلف.
ومِن ذلك أنَّ عليَّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- رأى رجلًا يقُصُّ، فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا، فنهاهُ -رضي الله عنه-، أخرجه زهير بن حرب وصححه الألباني، ومفهوم المخالفة: أنه لو كان يعلم الناسخ والمنسوخ -أي يعلم الحلال والحرام ولا يتكلم في دين الله جهلًا- فإنه لا يكون مذمومًا، وهذا هو القصُّ بمعنى الوعظ.
ومن ذلك أنَّ كثيرًا مِن القصاص يُصاب بالعُجب، كما قال ذلك ميمون بن مهران، قال: لا يُخطئ القاص ثلاث … وذكر منها العُجب.
ومِن ذلك أنَّ كثيرًا مِن القُصاص يُورد الأحاديث الضعيفة والموضوعة ولا يُبالي بها، وهذا مُشاهَد.
فإذَن القصُّ بمعنى الوعظ يُخشى عليه مما تقدم ذكره، وهذا يحصل كثيرًا، فمن سَلِم من ذلك فهو أمرٌ محمودٌ ومطلوب، وهو من الدعوة إلى الله.
أما المعنى الثاني وهو القصُّ بمعنى إيراد القصص على الصورة المتقدمة، فإنَّ هذا مذمومٌ لذاته، وذلك لأسباب:
السبب الأول: أنه أمرٌ مُحدَث، والخير كل الخير في اتِّباع مَن سَلَف، فقد ثبت عند ابن أبي شيبة أنَّ ابن عمر -رضي الله عنهما- سمع رجلًا يقصُّ، فقال: ما كان القصُّ في عهد رسول الله ﷺ، ولا أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان.
وأيضًا ثبت عند ابن أبي شيبة أنَّ ابن سيرين ذكر أنَّ القصَّ أمرٌ مُحدَث وأنَّ أول مَن أحدَثه الخوارج. فهذا سبب عظيم لذم السلف للقص، فلأجل هذا حذروا منه، وهذا حق على ما تقدم ذكره.
وأيضًا مما يزيد هذا ذمًّا أنه يكثُر عند الذين يقصون الكذب، لأنه اليوم يعرف قصةً وقصتين وثلاثًا وأربعًا، فيُكررها في المجالس، فيضطر أن يزيد القصص لأجل أن يتفاعل الناس معه، بل قد تكون القصة غير مؤثرة فيزيد عليها في الكلام ما يجعلها مؤثرةً.
لذا قال ميمون بن مهران -وهو من أئمة السلف-: لا يُخطئ القاص ثلاثًا: إما أنْ يُسمِّن قوله بما يهزل دينه… وصدق -رحمه الله تعالى-، وهذا موجود بكثرة، إما أن يخترع قصصًا جديدة لأنَّ القصص القديمة قد عُرفت، وإما أن يزيد في القصة بما يجعلها مؤثرةً.
وأيضًا مما يُذكَر في التحذير من القص بهذا المعنى: أنَّ فيه إشغالًا عن كتاب الله وسنة النبي ﷺ، فإنَّ الناس إذا اعتادوا القصص تأثروا بها، ولم يجعلوا الكلام مؤثرًا إلا إذا كان فيه قصصًا، فإذا أُورد لهم كتاب الله وسنة النبي ﷺ لم يتأثروا لها، وهذا ملاحظ، فترى محاضرة وكلمةً تُلقى فيها من الآيات والأحاديث الشيء الكثير، فلا يتفاعل الناس معها، لكن إذا أُلقيت محاضرة أو كلمة وأُوردت فيها قصة أو قصتان رأيت تأثُّر الناس بها، فصاروا يتتبعون القصاصين ويُعظمون أمر القصص، وهذا من الخطأ العظيم.
وأنبه أخيرًا: أنه لا مانع أن يُورِدَ الرجل قصةً عرَضًا ولا تصبح عادةً له، بل عادته التذكير بكتاب الله وسنة النبي ﷺ وقصص الأنبياء والمرسلين والسلف، لكن لو أوردَ قصةً تبعًا لا قصدًا وعلى خلاف العادة، فإنَّ مثل هذا لا ينصبّ عليه الذم الذي جاء عن السلف.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.