يقول السائل: ما صِحة قول القائل مع أذان مغرب هذه الليلة: دخلنا شهر رجب، وهو من الأشهر الحرم، وسميت الأشهر الحرم بالحرم لعِظم حرمتها وحرمة الذنوب فيها، فالمعصية في هذه الأشهر أعظم من المعصية في غيرها، كما أنَّ الحسنات فيها مُضاعفة، أوصيكم ونفسي بتقوى الله؟
الجواب:
القائل لمثل هذا له حالان:
الحال الأولى: أن يذكر ذلك من باب الموعظة والتذكير والتحذير من المعصية والذنب في هذه الأشهر الحُرم، وبيان ما لها من منزلة وغير ذلك، فهذا مستحب، فإنه يستحب عند المواسم أن يُذكَّر المسلمون بما يتعلق بهذه المواسم، وإذا جاء رمضان يُذكَّرون بفضيلة الصيام إلى غير ذلك، وإذا جاء يوم عاشوراء يذكَّرون الناس بفضيلة صيام هذا اليوم …إلخ.
الحال الثانية: أن يجعل ذلك دأبه، بأن يجعل هذه الكلمات هي مستحبةً لذاتها، فمثل هذا من البدع، ولا أظن -إن شاء الله- أنَّ ما سُئل عنه من هذا الأمر.
إلا أني أُنبه إلى أمر: وهو أنَّ الذنوب مُعظَّمة في الأشهر الحرم، كما قال سبحانه: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36] كما ذكر ذلك المفسرون عند هذه الآية، وروى فيه ابن جرير وابن أبي حاتم أثرًا عن قتادة -رضي الله عنه-.
أما مُضاعفة الحسنات أو تعظيم الحسنات، فلم أرَ شيئًا ثابتًا في ذلك، وإنما ذكره بعض المفسرين كالقرطبي وغيره، وجاء فيه أثر عن عبد الله بن عباس، والذي رأيت أنَّ الأثر ضعيف عنه -رضي الله عنه-.
فالمقصود أنَّ شهر رجب وغيره من الأشهر الحُرم لا شك أنَّ له مزيَّته باعتباره من الأشهر الحرم، وثبت عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه كان يصوم الأشهر الحرم كلها، وهذا قول الحسن البصري وأبي إسحاق السبيعي، وجماعة، أما إفراد رجب بالصيام فهذا منكر، وأنكره عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- كما ثبت عند عبد الرزاق، فللأشهر الحُرم مكانتها بأنَّ الذنوب مُعظَّمةٌ فيها، أما مُضاعفة الحسنات فلم أقف على شيءٍ يدل على هذا -والله أعلم-.