يقول السائل: كما لا يخفى سورة الفاتحة أم القرآن، فلو تذكر بعض ما فيها.
الجواب:
إنَّ سورة الفاتحة هي أم القرآن، كما أخرج الشيخان من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»، فكلُّ إمامٍ أو منفردٍ صلى ولم يقرأ بأم القرآن فصلاته لا تصح.
وهي أفضل سورة في القرآن؛ لما أخرج البخاري من حديث أبي سعيد بن معلَّى أنَّ النبي ﷺ قال: «أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: {الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}».
وهي التي مِن فضائلها ما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ …» الحديث.
هذا يُقال لنا في كل صلاة إذا قرأنا سورة الفاتحة، وهو فضل عظيم من فضائل هذه السورة، فلنستشعر هذا الفضل العظيم، وهو أنَّ الله يقول: حمدني عبدي… أثنى عليَّ عبدي… مجَّدني عبدي.
وهذه السورة فيها من الفوائد والمسائل الشيء الكثير، حتى إنَّ الإمام ابن القيم ألَّف كتابه (مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين) ومما ذكر في هذا الكتاب أنَّ القرآن كله يرجع إلى سورة الفاتحة، وأنَّ الفاتحة ترجع إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأجل هذا ألَّف هذا الكتاب الذي طُبع في ثلاثة مجلدات.
ومما في هذه السورة ما يلي:
الأول: أنَّ في هذه السورة أنواع التوحيد الثلاثة، وبه ابتُدأت، فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو توحيد الألوهية، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد الربوبية، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد الأسماء والصفات، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد الربوبية، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد الألوهية ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد الربوبية.
فهي أول سورة في القرآن وصُدِّرت بأنواع التوحيد الثلاثة، كما أنَّ آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس صُدِّرت بأنواع التوحيد الثلاثة، كما ذكر هذا الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في مؤلفاته ورسائله.
الثاني: في سورة الفاتحة الإشارة لمحركات القلوب الثلاثة، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وابن القيم في (مدارج السالكين) أنَّ محركات القلوب الثلاثة: محبة الله، وخوفه، ورجاؤه، وقال: والقلب كالمركبة التي تسير يُحرِّكها محبة الله، ويقودها الرجاء والخوف يمنعها الخروج عن الطريق.
ومحركات القلوب هذه قد أُشير إليها في الفاتحة، فإنَّ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيه إشارة إلى محبة الله، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيه إشارة إلى رجاء الله، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه الإشارة إلى الخوف من الله، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-.
الثالث: في سورة الفاتحة الإشارة إلى شرطي قبول العمل، وهو الإخلاص والمتابعة، وذلك أنه قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهذا فيه إشارة إلى الإخلاص، وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فيه إشارة إلى المتابعة، وهذان هما شرطا قبول كل عمل.
الرابع: في سورة الفاتحة قُدِّم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هو الغاية، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو الوسيلة، فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ توحيد الألوهية ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو توحيد الربوبية، ذكر هذا الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
الخامس: في سورة الفاتحة بيان أقسام الناس مع ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنَّ أعلى الناس قدَرًا هو من جمعَ بين العبادة والاستعانة، بألا يقوم يصلي في الليل إلا متعبِّدًا الله ومُستعينًا به، وهكذا إذا صلى الفروض الخمسة وفعل غيرها من العبادات.
وذكر ابن القيم أنَّ الناس مع الجمع بين العبادة والاستعانة على أقسام أربعة، أعلاهما الجمع بينهما، ويُقابل ذلك تركُهما، ومنهم من يعبدُ الله بلا استعانة، بأن يفعل العبادة مع عدم استشعار أن فعله لها بتوفيق الله وإعانته، وهذا كثير في المتعبدِّين، ويُقابل ذلك الاستعانة بالله على ما حرم الله -والعياذ بالله-.
السادس: في سورة الفاتحة بيان سبب ضلال بني آدم، وذلك أنَّ ضلال بني آدم إما ترك العلم أو ترك العبادة، وهو قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فالمراد بالمغضوب عليهم: اليهود، والمراد بالضالين: النصارى، وحكى الإجماع على ذلك ابن أبي حاتم، وجاء في ذلك حديث تُنوزع في صِحته.
والمراد بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين عندهم علم وليس عندهم عمل كاليهود، والمراد بقوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ الذين عندهم عبادة وليس عندهم علم ويعبدون الله على جهل، ومنهم النصارى، فسبب ضلال بني آدم تركُ العلم أو ترك العبادة.
لذا ذكر الله في أواخر سورة الأحزاب في سبب ضلال بني آدم فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72] ظلومًا: أي عنده علم لكن يترك ذلك عنادًا، وجهولًا: أي ليس عنده علم، بل هو جاهل، لذا روى ابن أبي حاتم في أوائل كتابه (الجرح والتعديل) بإسناده عن سفيان الثوري أنه قال: كان يُقال: اتقوا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإنهما فتنةٌ لكلِّ مفتنون. وصدق -رحمه الله تعالى-.
وأخيرًا مما في سورة الفاتحة: ذِكرُ الفرقة الناجية والطائفة المنصورة والفرق الضالة، لمَّا قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ وقال قبل ذلك: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ففيه أنَّ الحق واحد وأنهم هم الذين جمعوا بين العلم والعمل، وهم أهل السنة السلفيون الذين تمسكوا بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، جمعوا بين العلم والعمل، فلم يتعبَّدوا بلا علم فيقعون في البدع ولم يتركوا العلم فيقعون في الشبهات، فسَلِموا من الشبهات والشهوات.
والكلام على هذه السورة يطول، لكن أردت الإشارة إلى بعض ما فيها.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.