الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ، وَأَمَاتَ وَأَحْيَا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الزَّمَانَ كُلَّمَا تَأَخَّرَ زَادَ الشَّرُّ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: “لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ”. وَمِنْ ذَٰلِكَ الْأَخْطَاءُ وَالْمُخَالَفَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمَقَابِرِ وَعِنْدَ دَفْنِ الْأَمْوَاتِ؛ فَإِنَّ حَرَارَةَ الْفِرَاقِ وَغَلَبَةَ الْعَاطِفَةِ تَكُونُ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ سَبَبًا لِفِعْلِ أُمُورٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ. وَإِنَّ عُلَمَاءَنَا قَدْ نَصَحُوا وَحَذَّرُوا وَأَفْتَوْا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَقْدَمَ عَلَى هَٰذِهِ الْمُخَالَفَاتِ بِجَهْلٍ، وَلَوْ عَرَفَ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهَا.
وَإِلَيْكُمْ مَا تَيَسَّرَ تَذْكِرَةً وَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً، وَصَدَقَ اللَّهُ الْقَائِلُ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
الأولُ: تَوْزِيعُ الْمِيَاهِ فِي الْمَقَابِرِ، وَقَدْ أَفْتَتِ اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ لِلْإِفْتَاءِ فِي السُّعُودِيَّةِ بِحُرْمَتِهِ، لِعَدَمِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا السَّلَفِ لَهُ، فَضْلًا عَنْ تَوْزِيعِ الْعَصِيرَاتِ أَوِ التَّمْرِ كَمَا فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ.
الثاني: الزَّرْعُ عَلَى الْقُبُورِ، فَبَعْضُ النَّاسِ يَزْرَعُ عَلَى قَبْرِ مَيِّتِهِ، وَهَٰذَا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ كَمَا بَيَّنَهُ عُلَمَاؤُنَا.
الثالثُ: وَضْعُ مَاءٍ أَوْ حَبٍّ لِلطُّيُورِ فِي الْمَقَابِرِ، وَهَٰذَا مُنْكَرٌ قَدْ حَذَّرَ مِنْهُ عُلَمَاؤُنَا.
الرابعُ: قِرَاءَةُ سُورَةِ (يس) عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ، وَهَٰذَا مُنْكَرٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ كَمَا بَيَّنَهُ عُلَمَاؤُنَا، وَيَزْدَادُ سُوءًا وَإِثْمًا إِذَا قُرِئَتْ جَمَاعِيًّا.
الخامسُ: إِنَارَةُ الْمَقَابِرِ، وَهَٰذَا مُنْكَرٌ قَدْ نَهَى عَنْهُ عُلَمَاؤُنَا، وَحَكَى ابْنُ تَيْمِيَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَىٰ أَنَّ الْمَقَابِرَ لَا تُسْرَجُ، وَإِنَّمَا إِذَا أَرَادُوا دَفْنَ مَيْتٍ بِلَيْلٍ فَلْيُحْضِرُوا مَعَهُمْ نُورًا مُتَنَقِّلًا.
السادسُ: وَضْعُ الْمَظَلَّاتِ فِي الْمَقَابِرِ لِلْعَزَاءِ وَغَيْرِ ذَٰلِكَ، وَهَٰذَا مُحَرَّمٌ وَأَنْكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
السابِعُ: الْكِتَابَةُ عَلَى الْقُبُورِ، وَهَٰذَا مُنْكَرٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا.
الثامِنُ: تَجْصِيصُ الْقَبْرِ أَوِ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَىٰ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، أَوْ أَنْ يُبْنَىٰ عَلَيْهِ، أَوْ أَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ.
التاسِعُ: الزِّيَادَةُ فِي رَشِّ الْمَاءِ بِحُجَّةِ التَّبْرِيدِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهَٰذَا مُنْكَرٌ.
العاشِرُ: تَخْصِيصُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوِ الْأَعْيَادِ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَقَارِبِ، وَهَٰذِهِ بِدْعَةٌ.
الحَادِيَ عَشَرَ: صَلَاةُ الْفَرَائِضِ أَوِ النَّوَافِلِ فِي الْمَقَابِرِ، وَهَٰذَا مُنْكَرٌ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَحَسْبُ. أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ»، فَدَلَّ عَلَىٰ أَنَّ الْمَقَابِرَ لَيْسَتْ مَكَانًا لِلْعِبَادَاتِ وَلَا لِلصَّلَوَاتِ.
الثَانِيَ عَشَرَ: رَفْعُ الْأَصْوَاتِ فِي الْمَقَابِرِ، وَهَٰذَا أَنْكَرَهُ السَّلَفُ، وَمِنْ ذَٰلِكَ الْقَوْلُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ: “اسْأَلُوا لِأَخِيكُمُ التَّثْبِيتَ…” سَوَاءٌ عِنْدَ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ أَوْ بَعْدَ دَفْنِهِ.
الثالثَ عَشَرَ: كِتَابَةُ الأَسْمَاءِ عَلَى القُبُورِ، فَهَذَا مُنْكَرٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، وَإِنَّمَا إِذَا احْتَاجَ تَمْييزَ قَبْرِ قَرِيبِهِ وَضَعَ عَلَامَةً صَغِيرَةً.
إِلَىٰ غَيْرِ ذَٰلِكَ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَفْعَالِ غَيْرِ الْمَرْضِيَّةِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِعْلَ النَّاسِ لَهُ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ لَيْسَ عُذْرًا وَلَا مُبَرِّرًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “كَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ”، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَرَاضِيكَ، وَجَنِّبْنَا فِعْلَ مَا يُسْخِطُكَ وَيُغْضِبُكَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَٰذِهِ الْمُخَالَفَاتِ مَا كَانَتْ سَتَنْتَشِرُ إِلَّا لِعَدَمِ النَّصِيحَةِ وَالْإِنْكَارِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ للَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَتَنَاصَحُوا، رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ».
وَمِنَ النَّصِيحَةِ فِي دَوْلَةِ التَّوْحِيدِ (السُّعُودِيَّةِ) مُخَاطَبَةُ رِجَالِ الْحِسْبَةِ وَالتَّوَاصُلُ مَعَهُمْ لِيُنْكِرُوا هَٰذِهِ الْمُنْكَرَاتِ فَيُزِيلُوهَا، وَلِيَتَمَثَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَوْلَهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاحْكُمُوا عَوَاطِفَكُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِئَلَّا تَتَحَمَّلُوا أَوْزَارَكُمْ وَآثَامَكُمْ وَأَوْزَارَ غَيْرِكُمْ مِمَّنْ يَرَاكُمْ وَيُقَلِّدُكُمْ، فَالنَّاسُ كَأَسْرَابِ الْقَطَا يَتَّبِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَيِّتُ أَوَّلَ دَفْنِهِ الدُّعَاءَ، لَا الِانْشِغَالَ بِالْعَزَاءِ وَخدمةِ المُعَزِّينَ، فَاسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ عِنْدَ القَبْرِ وَادْعُوا بِابْتِهَالٍ لِأَمْوَاتِكُمْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ زِيَارَةَ الْمَقْبَرَةِ وَرُؤْيَةَ الْأَمْوَاتِ عِبْرَةٌ أَيُّمَا عِبْرَةٍ لِمَنْ حَيَّا قَلْبَهُ وَفَاقَ ضَمِيرَهُ، فَمَا بَالُ بَعْضِ النَّاسِ يَتَمَازَحُونَ فِي الْمَقَابِرِ وَيَتَضَاحَكُونَ؟ أَمَاتَتْ قُلُوبُهُمْ؟ أَمِ اسْتَحْكَمَتْ عَلَيْهِمُ الْغَفْلَةُ؟ أَلَا يَعْتَبِرُونَ؟ وَبِمَنْ سَبَقَهُمْ يَتَّعِظُونَ؟
إِنَّ المَوْتَ كَمَا تَخَطَّفَ غَيْرَكُمْ دُونَكُمْ فَغَدًا يَتَخَطَّفُكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ، فَاعْتَبِرُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَمَا أَسْرَعَ مَا يُنَادَى فِي النَّاسِ بَاسْمِكَ فَيُقَالُ: مَاتَ فُلانٌ فَهَلمُّوا لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ.
قالَ تَعَالى:” ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
وقال عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
للَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا وَالْمُسْلِمِينَ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةَ وَغَلَبَةَ الْعَوَاطِفِ وَالْحَمَاسَاتِ غَيْرِ الْمَرْضِيَّةِ.
وَقُومُوا إِلَىٰ صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ.
