أنا من السودان وأود منكم نصيحة بخصوص ما يحصل عندنا، وما موقف السلفي منها؟


يقول السائل: أنا من السودان وأود منكم نصيحة بخصوص ما يحصل عندنا، وما موقف السلفي منها؟

الجواب:
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحفظ بلاد السودان، وأن يعزها بالتوحيد والسنة، وأن يجمع كلمة أهلها على التوحيد والسنة، وأن يعم بلاد السودان بالأمن والأمان وطاعة ربنا الرحمن، وأن يُوسع عليهم في دنياهم ويجعله عونًا لهم على طاعة الله، وأن يُؤلِّف بين قلوب الراعي والرعية، وأن يهدي الراعي والرعية للقيام بالتوحيد والسنة.

إنني أوجه نصيحة، وهذه النصيحة ما بين عام لأهل السودان وغيرهم، وما بين خاص بالسودان لمناسبة الأحداث التي يعيشونها.

النصيحة الأولى:
أوصي نفسي وإخواني في السودان وغير السودان أن يتقوا الله، ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131]، فأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله، وحقيقة تقوى الله أن نعمل بطاعة الله، وأن نجتنب نواهيه، وأعظم طاعة له التوحيد.

أوصي نفسي وإخواني بتعلم التوحيد وتعليمه، ونشره بين الناس، وأعظم النواهي الشرك، فأوصي نفسي وإخواني بمعرفة الشرك وتحذير الناس منه، فإن كثيرًا من بلاد المسلمين قد امتلأت بالشرك وعجَّت وعمَّها الشرك، من قصد الأولياء والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم إلى غير ذلك.

فأعظم ما أوصي نفسي وإخواني أن نتعلم التوحيد، وأن نُعلمه، كما قال سبحانه: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108]، ويقول سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].

فدعوة الأنبياء والمرسلين دعوة توحيد وتحذير من الشرك، فأوصي نفسي وإخواني أن نكون كذلك.

الأمر الثاني:
أوصي نفسي وإخواني بالتمسك بالسنة على ما عليه سلف هذه الأمة، فلابد أن نفهم الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾ [النساء: 115].

فلنجتهد في أن نفهم الكتاب والسنة على فهم السلف، وأن نكون سلفيين متبعين للسلف، وليس معنى اتباع السلف أن نكون متخلفين دنيويًا، كلا، فإن الكتاب والسنة ومنهج سلف هذه الأمة لا يتعارض مع التقدم في الحضارة وغير ذلك، وإنما يُعارض ما يُعارض شرع الله.

فمثلًا لو دعا أحد إلى صناعة الأسلحة لقتل البشرية بغير حق، فإن الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة يُنافي ذلك ويُعارضه، لكن لو دعا إلى صناعة الأسلحة ليتقوى المسلمون ويكونوا في مأمن من أعدائهم، لدعا إلى ذلك الكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة.

فينبغي أن نعلم أنه ليس معنى السلفية التخلف، وإنما معناه التمسك بالدين الذي عليه الأولون، وهذا لا يتنافى مع التطور والتقدم في أمور الدنيا، وفي هذا تفصيل لكن أردت الإشارة إلى هذا الأمر المهم.

الأمر الثالث:
أوصي إخواني أهل السنة بالثبات على السنة، وألا يكون وجود المخالفين للكتاب والسنة من العلمانية والليبرالية وغير ذلك سببًا للانخراط مع الجماعات البدعية، فيحصل من ذلك أمر وهو ضعف أهل السنة، الذي هو رأس المال، وأن ينخرط رأس المال مع أولئك، فإن هذا خطأ عظيم ينبغي أن يحذره أهل السنة.

فالكتاب والسنة قد دعا إلى التمايز، وأهل السنة أهل تمايز على الحق، فلابد من التمايز وألا نندمج معهم، ليس معنى مواجهة العلمانيين والليبراليين وأمثالهم أن نجتمع مع أهل الباطل من الجماعات المبتدعة التي عندها من البدع ما يعلمه كل من يعرف الكتاب والسنة، ويعرف واقع تلك الجماعات كجماعة الإخوان المسلمين والسروريين والتبليغيين وغيرهم مما لا يتسع المقام في بيان ضلالهم.

وقد سبق في أجوبة سابقة بما يكفي لكل طالب للحق -إن شاء الله تعالى-.

فلابد من التمايز، فكما نواجه أولئك العلمانيين والليبراليين فأيضًا نواجه هؤلاء، ولا نندمج معهم، بل نكون صفًا مستقلًا، ومن الخطأ الكبير الدعوة إلى الاندماج معهم، فإن في هذا إضعافًا للسنة وتفريطًا في رأس المال، وهذا خطأ كبير يجب أن يتمايز أهل السنة، وأن يُواجهوا كل مبطل، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ [آل عمران: 110].

وأن يتمايزوا عن أهل الباطل، ﴿ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وهذه عامة في الكفار وأهل البدع، فلذلك يجب التمايز.

الأمر الرابع:
يجب لأهل السنة أن يُبيِّنوا ضلال الليبرالية والعلمانية الكفرية، ويُبيِّنوها بالأدلة من الكتاب والسنة، وفي المقابل يُبينوا ضلال جميع الطوائف، فلا يصح أن يضعف أهل السنة عن مثل هذا، بل بيان هذا واجب وهو مطلب ديني.

وبهذه المناسبة أُنبه إخواني المسلمين إلى أن عند الحركيين من الإخوان والسروريين وأذنابهم طريقة، وهو أنهم يُحاولون كسب عواطف الناس بمواجهة الليبراليين والعلمانيين، وفي حقيقة الحال هؤلاء الحركيون كالإخوان المسلمون هم ليبراليون باسم الدين.

فلو دقق المُدقق، ونظر المنصف، ما الفرق بين يوسف القرضاوي، والترابي، وأمثالهما والليبرالية والعلمانية؟
لم يجد فرقًا جوهريًا
فكلهم يدعو إلى تنحية الشريعة، وكلهم يدعو إلى تقديم العقل على الشرع، إلى غير ذلك من الأصول الكثيرة للغاية، فلا فرق بين هؤلاء، فأرجوا ألا يغتر المسلمون بالإخوان المسلمين، فإنهم يتقلبون، تارة ضد الليبرالية وتارة معهم، وتارة يُخالفون طريقتهم ومسيرتهم، وتارة يسيرون على طريقتهم ومسيرتهم أشد من سير الليبراليين والعلمانيين على هذه الطريقة، إلى غير ذلك.

فليكن المسلم حصيفًا وليكن حذرًا منهم، وليتنبهوا ألا يلدغوا من جحر مرتين.

الأمر الخامس:
أوصي إخواني أهل السنة أن يكونوا دعاة تطمين للناس وإشغالهم بما ينفعهم، وألا يُشغلوا الناس بما لا ينفعهم، أشغلوهم بدين الله وتعلمه، أشغلوهم بما ينفعهم من أمر دينهم ودنياهم، ولا تكونوا سبب فتنة في مواجهة الحكام، حتى ولو قدر أن حاكمًا من حكام بلاد المسلمين كافر، فإنه ليس عند المسلمين قدرة لمواجهته.

فلذلك نناصح الحاكم، ويُناصح الراعي والرعية، وندعو إلى البعد من الفتن، فإن الفتن إذا اشتغلت أول من يتضرر بها الشعوب، فلذا الناصح يُحارب هذه الفتن، ويدعو إلى التعاون على الخير، لا أن يكون داعية فتنة وضلال كما هو حال الإخوان المسلمين.

وخذ العبرة بليبيا، فليبيا حاكمها كافر وهو معمر القذافي، وحصل ما حصل من الثورة عليه، والنتيجة؟ تضرر الليبيون دينًا ودنيا، ولم يستفيدوا شيئًا، فلو قدر أن حاكم السودان كافر، لو قدر أن حاكمهم الحالي كافر، فإنه لا يصح أن يواجهوه وأن تحصل الفتن، بل لابد من الاجتماع والتعاون على الخير وتأليف القلوب مع الثبات على الحق وبيان الخطأ، ودعوة الناس إلى الهدى، وألا تكونوا سببًا للفتنة ولاشتعال نار أول من يتضرر بها الشعب السوداني الطيب.

والنصيحة تطول، لكن جرت العادة أن الأجوبة تكون في دقائق غير كثيرة، فأسأل الله أن يُصلح حالنا وحال إخواننا في السودان وأن يؤلف بين قلوبهم على الهدى، وأن يُولي عليهم خيارهم، وأن يعم بلادهم بالتوحيد والسنة، وبالأمن والأمان والغنى الذي يُعينهم على طاعة الله.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.