يقول السائل: يُلاحظ تخبط كثير مِن طلبة العلم في النقل عن أهل العلم، وخاصة في المسائل الفقهية وتراهم يتعصبون لابن عثيمين ولا يردون قوله، أو للألباني وأحيانًا يُخالفونهم بدون ضابط، ويكثُر هذا في المبتدئين، فلو تُبيِّن لنا الضابط في التعامل مع المسائل الفقهية وكيف يتعامل السلفي معها.
الجواب:
إنَّ الجواب عن هذه المسألة يحتاج إلى تفصيل وتقعيد، وهو سؤال مهم، لكن أنبه إلى أمور على عجالة:
الأمر الأول:ينبغي أن يُعلَم أنَّ التقليد نوعان، تقليدٌ مذموم وتقليدٌ محمود، ومِن التقليد المذموم هو أن يُترَك الكتاب والسنة لقول أحدٍ كائنًا مَن كان، كما قال الله عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: 67] وقد قال الإمام الشافعي: أجمع أهل العلم على أنَّ مَن استبانت له سنة النبي ﷺ فليس له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا مَن كان. نقل كلام الشافعي ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (أعلام الموقعين).
أما النوع الثاني وهو التقليد المحمود، وهو أن يُقلِّد الرجل مَن يثق به في أمرٍ لم يظهر له الحق بدليله، فإنَّ مثل هذا جائز كما قرره ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) وابن القيم -رحمه الله- في كتابه (إعلام الموقعين).
الأمر الثاني:ينبغي أن يُعلَم أنَّ الاجتهاد هو أن ينظر الرجل في الأدلة الشرعية، وتكون عنده آلة اجتهاد، فيُرجِّح بين الأدلة الشرعية ويُضعِّف هذا القول ويُقوي هذا القول بآلة الاجتهاد، فهذا يسمى اجتهادًا، وقد يكون كليًّا وقد يكون جزئيًّا.
أما الاتِّباع فهو أنَّ الرجل يأخذ قول مَن يثق به مع معرفة دليل، فيقول: قال الشيخ ابن باز كذا وكذا، وذهب إلى حرمة كذا وكذا واستدل بكذا، فهذا يسمى اتباعًا.
أما التقليد فهو أنَّ الرجل يأخذ قول الرجل بدون النظر إلى دليله، وذلك بأن لا يكون عنده آلة اجتهاد أو لم يتسع الوقت للاجتهاد في المسألة، فهذا يسمى تقليدًا، وقد قرر هذا ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) وابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين).
الأمر الثالث:ينبغي أن يُعلَم أنَّ تتبُّع الرخص محرم في الشريعة، وهذا بإجماع أهل العلم كما ذكره ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)، وذلك أنَّ أحدًا يأخذ قول فلان لأنه الأسهل في هذه المسألة، ويأخذ قول فلان الآخر لأنه الأسهل في المسألة الثانية، وهذا يسمى تتبُّع الرُّخص، وهذا محرم بالإجماع، ولا يجوز لأحد أن يتتبَّع الرخص، لذا قال التيمي: مَن تتبَّع الرخص فقد تزندق، وذكر غيره مثل قوله، والعلماء مجمعون على حرمة مثل هذا كما تقدم بيانه.
الأمر الرابع:لا يجوز أن يُردَّ الدليل والبرهان لأنَّ في المسألة خلافًا، فبعضهم يرد الدليل في مسألة ما بحجة أنَّ العلماء مختلفون في ذلك، وهذا محرم بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) وبيَّنه ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وذلك أنَّ الله أمرنا عند التنازع أن نرجع إلى الكتاب والسنة لا أن نرد الكتاب والسنة لأجل أنَّ في المسألة خلافًا، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10].
إذن لا يجوز أن يُرد الدليل بحجة أنَّ في المسألة خلافًا كما يفعل هذا كثيرون.
الأمر الخامس:لا يجوز التعصُّب لأحد كائنًا مَن كان، بأن يُتَّبع في قوله ولو ظهر الدليل بخلاف ذلك، ومثل هذه بدعة، حتى ذكر ابن القيم أنها بدعة حصلت في القرن الرابع، فلا يجوز لأحد أن يتعصب للعلامة الألباني، أو العلامة ابن عثيمين، أو العلامة ابن باز، فيدور مع أقوالهم حيثُ داروا، ولو ظهر له الدليل، فإنَّ مثل هذا محرم، ومثل ذلك لا يجوز التعصب لأحد المذاهب الأربعة، بأن يتعصب للمذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي ولا يقبل مِن الأقوال إلا أقوالهم، فإنَّ مثل هذا محرم وهو مِن بدع القرن الرابع كما بيَّنه ابن القيم -رحمه الله-.
الأمر السادس:ينبغي أن يُعلَم أنَّ هناك فرقًا بين أن يُقلد الرجل العلامة الألباني أو ابن عثيمين أو ابن باز أو ابن تيمية أو غيرهم مِن أهل العلم، وبين أن يُقلد مذهبًا؛ وذلك أنَّ أصحاب المذاهب إذا ألَّفوا ألَّفوا على الراجح في مذهبهم، فمثلًا إذا كتب البُهُوتي في المذهب الحنبلي كما في (الروض المربع) فهو لا يكتب فيما يراه راجحًا مِن جهة الدليل، وإنما يكتب فيما يراه راجحًا في المذهب، بخلاف ما يُفتي به ابن باز أو ابن عثيمين أو الألباني أو ابن تيمية أو غيرهم مِن أهل العلم الموثوقين، فإنَّ مثل هذا إذا أفتوا فإنهم يُفتون بما يرونه راجحًا مِن حيث الدليل الشرعي، لذا لو أنَّ رجلًا تعبَّد بما في الزاد فهو آثم، بخلاف لو تعبَّد بفتاوى ابن باز أو ابن عثيمين، بمعنى أنه اضطر أن يُقلِّد أو كان أهلًا للتقليد أو صحَّ التقليد لمثله، فمثل هذا يصح في أن يأخذ أقوال مَن يثق به كابن باز، لكن لا يصح أن يأخذ أقوال الزاد، ولا أن يأخذ أقوال غيره مِن كتب المذاهب الأربعة، لأنَّ هؤلاء ألفوا على الراجح عند أصحابهم لا على الراجح مِن جهة الدليل.
إذا تبيَّن هذا، فإنَّ طالب العلم المبتدئ أو غير المبتدئ، إذا أراد أن يُقلد عالمًا ولم يظهر له الدليل الشرعي، فإنه يُقلد الأوثق، مثلًا إذا قال: عندي الأوثق في التصحيح والتضعيف هو العلامة الألباني. وليس أهلًا للاجتهاد في التصحيح والتضعيف، أو كان أهلًا لذلك لكن لم يتيسر له البحث، فإنه يسير مع العلامة الألباني في تصحيحه وتضعيفه.
لكن لو قال: طريقتي أن أقلد العلامة الألباني إذا لم أستطع البحث، أو أنا لست أهلًا للبحث في التصحيح والتضعيف، قال: طريقتي أن أسير على ما يذهب إليه الألباني، إلا إذا تبيَّن لي أنه مُخالفٌ لفرسان الفن كالإمام أحمد وعلي بن المديني وأبي حاتم وغيرهم، هذا إذا كان عنده شيء مِن الاطلاع، فمثل هذا يسير على هذه القاعدة.
أما أنه اليوم يأخذ العلامة الألباني وغدًا يأخذ قول ابن باز في التصحيح والتضعيف، أو يأخذ قول غيرهم تَشَهِّيًا، فإنَّ مثل هذا لا يجوز.
ومثل ذلك في المسائل الفقهية، لو قال أنا أثق بالعلامة الألباني وآخذ قوله فيما لا يظهر لي مِن الدليل، أو أنا لست أهلًا للبحث في الدليل، فإذن يسير مع قول العلامة الألباني شدَّد أو سهَّل، ومثل هذا يُقال في تقليد ابن باز -رحمه الله-.
أما التنقُّل مِن أقوال أهل العلم بالتشهِّي فإنَّ مثل هذا محرم ولا يجوز، وهذا دين، فإذن لابد أن يُحدد طريقًا يسير عليه، لذا قال أهل العلم: المقلد مقلد في كل شيء إلا في تحديد مَن يثق به فإنه مجتهد في ذلك، فإذا لم يظهر له الدليل إما لأنه مقلد مِن حيث الأصل وعامي مِن حيث الأصل، أو ضاق الوقت عليه، فإنه يُحدد الأوثق فيما يراه فيتَّبع قوله، وقد بيَّن هذا الشاطبي -رحمه الله- وابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين).
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
