يقول السائل: وقفت على كلام لبعضهم يُشكك في شرك الوسائط، ويجعل التكفير به من مبالغات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فنوِّرنا في هذا الموضوع.
الجواب:
إنَّ معنى شرك الوسائط أن يتقرَّبَ المخلوق والعبد إلى غير الله مِن الملائكة والنبيين والصالحين، أو غيرهم، فيَذبح لهم ويدعوهم ويستغيث بهم، إلى غير ذلك من العبادات، بأن يفعل تلك العبادات وغيرها لهؤلاء المخلوقين، بحُجَّة أن يشفعوا له عند الله.
فحقيقةُ شرك الوسائط أنه صرفُ عبادة لغير الله ليَشفعوا لهم عند الله، ويقولوا: نحن مذنبون ومقصرون، ولسنا أهلًا أن ندعو الله مباشرة وأن نذبح لله مباشرة، فلذلك نجعل الوسائط بيننا وبين الله، بأن نذبح لهم وأن ندعوهم ليشفعوا لنا عند الله.
والقرآنُ واضحٌ وجليٌّ في التكفير بهذا الشرك بصورٍ: إما بالنصِّ عليه، وإما ببيان أنَّ صرف العبادة لغير الله شركٌ وكفرٌ مطلقًا، أما بالنصِّ عليه فقد قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18] هذه الآية نصٌّ في أنَّ شرك الوسائط شركٌ أكبر ومُخرج مِن المِلَّة وأنه فعل كفار قريش، وقال سبحانه عن كفار قريش: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] فهاتان الآيتان واضحتان في أنَّ هذا فعل كفار قريش الذي صاروا به مشركين.
أما النوع الثاني من الأدلة: فهي التي بيَّنت أنَّ صرف العبادة لغير الله شرك وكفر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13-14] سمَّى هذا شركًا.
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117] جعلهم كافرين.
إلى غير ذلك من الآيات.
و النوع الأول وهو بيان أنَّ سبب كفر كفار قريش هو شرك الوسائط والنوع الثاني وهو بيان أنَّ صرف العبادات لغير الله شركٌ أكبر- فهذان النوعان دالَّان دلالةً ظاهرةً وواضحةً أنَّ شرك الوسائط مُخرجٌ مِن الملة، لأجل هذا أجمع العلماء من علماء المذاهب الأربعة وعلماء المسلمين على أنَّ هذا الشرك مُخرجٌ مِن المِلة، حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وكفى به مِن إمامٍ ذي استقراءٍ تامٍّ، قد حكى هذا الإجماع عن جميع العلماء، ونقل كلامه ابن مفلح وأقرَّهُ، والبهوتي في (كشاف القناع) وأقرَّهُ، إلى غيرهم من العلماء.
فهذا يدل على أنَّ علماء المذاهب الأربعة وغيرهم يُقررون أنَّ شرك الوسائط مُخرجٌ مِن الملة، وقد صرَّح بذلك الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) وابن النحاس فيما نقل عنه الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد).
إذا تبيَّن هذا فلا يصح القول بأنِّ شرك الوسائط ليس شركًا أكبر، وأيضًا لا يصح أن يُزعَم أنِّ شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب انفرد بالقول بأنه شركٌ أكبر، بل القرآن ظاهرٌ في ذلك، ومن جهة أخرى العلماء متواردون على هذا قبل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-.
فقد حكى الإجماع ابن تيمية وعلماء المذاهب الأربعة وغيرهم على أنَّ هذا شركٌ أكبر، على ما تقدم بيانه وتوضيحه، فمن الخطأ الكبير ألا يُكفَّر بمثل هذا، ومِن الخطأ الكبير أن يُزعَم أنَّ تكفير الشيخ محمد بن عبد الوهاب بذلك هو غلوٌّ وخطأ، بل الذي كفَّر بذلك هو رب العالمين، وتوارد على ذلك العلماء، بل هم مجمعون على ذلك كما تقدم.
وإنَّ الإمام شيخ الإسلام ألَّف رسالةً مفيدة اسمها (مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد) وهذه الرسالة بناها على أمرين:
الأمر الأول: أنَّ شرك الوسائط وصرف العبادات لغير الله شركٌ أكبر لا أصغر، خلافًا لبعض العلماء الذين عاصرهم وزعموا أنه شركٌ أصغر.
الأمر الثاني: أنَّ المسلم إذا وقعَ في الشرك بعد إقامة الحجة فإنه يكفر بعد إسلامه، خلافًا لبعض علماء زمانه الذين قالوا: إنَّ المسلم لا يكفر بعد إسلامه. مع أنَّ القرآن واضح في أنَّ المسلم يكفر بعد إسلامه، كما قال سبحانه: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: 74] وقال: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66].
فبنى هذه الرسالة العظيمة على هذين الأمرين، وهو أنَّ المسلم إذا وقع في مكفِّر وقامَتْ الحُجَّة عليه فإنه يكفر بعد إسلامه.
وإنَّ ما تقدم ذكره مثالٌ مِن الأمثلة الكثيرة التي تُنسَب إلى الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ويُتَّهم ويُنتقَص بها مع أنها حقٌّ، ناهيك عن الأمثلة الأخرى الكثيرة التي تُنسب إليه كذبًا وزورًا، وهي باطلٌ وتُنسب إليه كذبًا وزورًا بلا دليلٍ ولا برهان، ويُرمى الكلام جُزافًا بلا إثبات.
فأدعو المنصفين أن يُعيدوا النظر فيما يُرمَى به الشيخ -رحمه الله تعالى- بأن يتعلموا دين الله أولًا، ثم يتثبَّتوا فيما نُسِبَ إليه، فما ثَبَت فليقيسوه بكتاب الله وسنة النبي ﷺ، وإني متأكد أنَّ مَن فعل ذلك سيظهر له الحق جليًّا، وأنَّ هذا الإمام إمامٌ مجدد، رحم الله الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ورحم الله جميع علماء المسلمين.
وأخيرًا: يُحاول دعاة الشرك أن يُمرِّروا شرك الوسائط باسم الوسيلة، وهذا خطأ كبير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35] وذلك أنَّ المراد بالوسيلة عبادة الله وطاعته، حكى السهسواني الإجماع على ذلك، لا أنَّ شرك الوسائط هو الوسيلة، بل شرك الوسائط مُخرجٌ مِن الملة على ما تقدم ذكره.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.