ورطة متعصبة المذاهب الفقهية مع ذمّ العلماء للتقليد


بسم الله الرحمن الرحيم

سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فإنَّ التفقه على المتون الفقهية هو الطريق الأصلح -غالبا-لتحصيل الفقه، وأن يكونَ الرجل فقيهًا لكن بلا إفراط ولا تفريط-كما سيأتي بيانه-، وإن حكم التقليد شرعًا متفاوت فمنه ما هو محرمٌ إجماعًا، ومنه ما هو جائزٌ إجماعًا، فليس كله محرمًا ولا جائزًا، لكن كلُّ التقليد درجةُ نقصٍ وعكسه الاجتهاد فهو درجةُ كمال، فالمطلوبُ شرعًا السعيُ لدرجة الكمال -وهو الاجتهاد-، وتركُ درجة النقص -وهو التقليد-، كما دلَّت على ذلك الأدلة وأقوال علماء الملة.

قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: 55] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. إلى غير ذلك من الأدلة.

وللعلماء كلامٌ كثيرٌ في ذمِّ التقليد، ودونكم قليلًا منه، وهو ما ذكره ابن القيم في كتابه [أعلام الموقعين (2 /  139-140)]، قال -رحمه الله-: ” وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري، ذكره البيهقي … وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء، ما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه فخذ به … ” ونقل العلامة الألباني-رحمه الله- كلمات أئمة المذاهب الأربعة في عدم التقليد فقال في كتابه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (ص: 46):فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله وقد روى عنه أصحابه أقوالا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالحديث وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها:

1 – (إذا صح الحديث فهو مذهبي) .

2 – (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) . -ثم قال-

وأما الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- فقال:

1 – (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه)

2 – (ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم) .

وأما الإمام الشافعي رحمه الله فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب وأتباعه أكثر عملا بها وأسعد فمنها:

1 – (ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي) .

2-(إذا صح الحديث فهو مذهبي) .

وأما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة جمعا للسنة وتمسكا بها حتى (كان يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي)

ولذلك قال:

1 – (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) .

2 – (رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار) .

3 – (من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة) إلى آخر ما ذكره ونقله العلامة الألباني.

وما أحسن ما قال ابن القيم في كتابه الإعلام (2/ 144): “عجبا لكم معاشر المقلدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ولا معدودين في زمرة أهله، كيف أبطلتم مذهبكم بنفس دليلكم؟ فما للمقلد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلد من منصب المستدل؟ وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابا استعرتموها من صاحب الحجة فتجملتم بها بين الناس؟ وكنتم في ذلك متشبعين بما لم تعطوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه؟ وذلك ثوب زور لبستموه، ومنصب لستم من أهله غصبتموه، فأخبرونا: هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه، وبرهان دلكم عليه، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزل، أم سلكتم سبيله اتفاقا وتخمينا من غير دليل؟ وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم، ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلتم: لسنا من أهل هذه السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل. والعجب أن كل طائفة من الطوائف، وكل أمة من الأمم تدعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مبطلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليه، وبرهان دلهم عليه، وإنما سبيلهم محض التقليد، والمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل”.

تنبيهات:

التنبيه الأول: إنَّ المقلد ليس عالمًا بالإجماع قال ابن القيم في الإعلام (1/6):”قال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله، وهذا كما قال أبو عمر – رحمه الله تعالى -: فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد” وانظر جامع بيان العلم وفضله (2 / 993).

ونقل كلامه ابن القيم في كتابه (الأعلام) وأقرَّه، فلا يصح أن يُوصف من يدرس هذه المتون الفقهية المذهبية ويحفظها بلا دليل تقليدًا بأنه فقيه أو عالم، بل لا يزال في الفقه جاهلًا بالإجماع ما لم يرجح في الفقه بالدليل الشرعي، ولو قيل: إنه فقيه في المذهب؛ فإن هذا لا يخرجه من حيز العوام في الفقه الشرعي، ولا يجوز له التعبد ولا الفتوى بما في هذه المتون وكن على ذكر لما قال الشافعي: “مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري” ومثل ذلك من يدرس هذه المتون الفقهية بأدلة أصحابها فهذا لا يخرجه من حيز الجهل؛ لأن الفقيه هو الذي اجتهد ورجح بالدليل لا الذي حفظ أدلة المتون الفقهية التي كتبت بالنظر للراجح في المذهب لا الراجح شرعًا في نظر من كتبها، وهذا أمر دقيق ينبغي أن يتفطن له.

التنبيه الثاني: متعصبة المذاهب الفقهية مخالفون لأئمة مذاهبهم مع ادِّعائهم محبتهم وتعظيمهم والتفاخر بذلك، وقد تقدمت كلمات أئمتهم في ذمِّ التقليد وهم خالفوهم وقلدوهم وتعصبوا لمذاهبهم الفقهية قال ابن القيم في الإعلام (2/ 144) “وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه، فإنهم بنوا على الحجة، ونهوا عن التقليد، وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك أمانيهم، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم”

التنبيه الثالث: إذا عُلمَ أنَّ التقليد في أصله مذموم فينبغي للعاقل أن يسعى لتكميل نفسه دينيًّا في أن يترقَّى عن هذه الدرجة إلى درجة الاجتهاد التي هي الأحبُّ إلى الله، ومقتضى الدين والتقوى أن يسعى المعلمون في تربية طلابهم على الاجتهاد وأن يُرقوهم إلى هذه الدرجة المحبوبة إلى الله، لا أن يُنفِّروهم ويُصعِّبوا عليهم كما يفعله متعصبة المذاهب الفقهية باسم التأصيل في الفقه وهكذا…

التنبيه الرابع: إنَّ من يدرس الفقه على متعصبة المذاهب الفقهية يكتشف بعد مرور السنين أنه لم يزل جاهلًا في الفقه مهما حفِظَ من المتون وعرفَ من الروايات والأوجه ما لم يدرس الفقه ويرجح بدليله الشرعي، وإنما غاية ما حصل أنه عرف المذهب الذي درسه، وهذا ليس فقهًا شرعيًا يخرج صاحبه من حيز الجهل إلى العلم، فيا خيبة طريقٍ هذه نهايته، ويا حسرة عمرٍ هذا تحصيله.

التنبيه الخامس: من ظهر له الدليل واتضحت له الحجة لم يجُز أن يُخالفه تقليدًا لمذهبٍ أو عالمٍ، قال الإمام الشافعي: أجمع العلماء على أنَّ من استبانت له سنة النبي ﷺ ليس له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا من كان.

هذا لو قُدِّر أنَّ متون المذاهب الفقهية الأربعة كُتبت بالنظر للدليل، أما وأنها  قد كُتبت لبيان الراجح في المذهب لا الراجح في الدليل فلا يجوز تقليدها بحال كما سبق بيانه في مقالٍ بعنوان: (تناقضات دعاة التعصب الفقهي):

https://www.islamancient.com/ar/?p=30170

التنبيه السادس: ليس معنى محاربة متعصبة المذاهب الفقهية ألَّا يُتفقَّه على هذه المتون الفقهية، فإنَّ التفقُّه عليها مُعينٌ لتحصيل الفقه، وهو أنفع من التفقُّه على كتب أحاديث الأحكام، لكن أن تُدرس على من يشرحها بالدليل، ويُحاول أن يُرقِّي الطلاب إلى درجة الاجتهاد حتى يقوى ساعدهم في الفقه والعلم، فإنَّ الاعتدال أن يُتفقَّه عليها ولا يُتعبَّد بها تقليدًا ولا يُتعصَّب لها، بل يجعلها الدارس -من باب التقريب- كالفهرس لمسائل العلم، وقد سبق وكتبتُ مقالين في هذا الموضوع، وهذا المقال كالمُكمِّل لهما والمُتمِّم لفائدتهما:

الأول: (تناقضات دعاة التعصب الفقهي):

https://www.islamancient.com/ar/?p=30170

الثاني: (متعصبة المذاهب الفقهية والتشديد في شروط الاجتهاد):

https://www.islamancient.com/ar/?p=30202

أسأل الله أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.

 


شارك المحتوى: