يقول السائل: هل يصح أثرُ مجاهدٍ في المقام المحمود؟
الجواب:
إنَّه في الجواب عن هذا السؤال ينبغي النظر مِن جهتين:
الجهة الأولى: الاعتقاد الذي دَلَّ عليه أثرُ مجاهد.
الجهة الثانية: صِحَّة أثر مجاهد.
وأثر مجاهد الذي يقصده السائل أنَّ مجاهدًا -رحمه الله تعالى- قال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] قال: هو أنَّ الله سبحانه يُقعِد نبيَّهُ معه على العرش، وفي بعض الألفاظ: يُجلس نبيَّه معه على العرش.
فدلَّ هذا على أنَّ الله سبحانه يُجلِس نبيَّهُ معه على العرش.
والجهة الأولى في هذا السؤال أنَّ مدلول هذا الأثر قد أجمع عليه أهل السنة، وحكى الإجماعات بعبارة صريحة أو بما يدل على ذلك جمعٌ مِن أهل العلم، منهم الإمام أحمد، ومنهم ابنه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد، ومنهم الإمام أبو بكر الصاغاني، ومنهم يحيى بن أبي طالب، والجريري، نقل هذا الخلَّال في كتابه (السنة)، وابن جرير، والذهبي لما قال: خالَف بعض المتكلمين. وأما ابن تيمية فقد عبَّر بأنَّ العلماء تلقَّوا ذلك بالقبول، إلى غير ذلك من كلمات أهل السنة.
بل بعضهم صرَّح أنَّ الذي خالَف في ذلك هم المبتدعة، وهذا كله يدلُّ على أنَّ في هذا الاعتقاد إجماعًا لا يسوغ لأحدٍ أن يُخالِف هذا الإجماع.
أما الجهة الثانية، فالأثر مِن جهة الثبوت قد احتجَّ به جمعٌ مِن أهل العلم ونصوا على أنَّ مجاهدًا قال ذلك، كالإمام أحمد وغيره، وهؤلاء أئمة سنة وأئمة حديث، بل قال الذهبي في كتابه (العرش): هو ثابت عن مجاهد بلا شك. وذكر الذين تابعوا الليث بن أبي سُليم، فالأثر بتصحيح هؤلاء العلماء ثابتٌ عن مجاهد.
فإذا تبيَّن هذا فإنَّ هذا الأثر يقوَى في دلالته بأنه قولُ تابعيٍّ، وقول التابعي إذا كان في تفسير آية فقد ذهب جمعٌ مِن أهل العلم إلى أنه حُجَّة، كالإمام الشافعي وأحمد في رواية، لاسيما في مثل مجاهد الذي ثبتَ عنه أنه عرَضَ القرآن على عبد الله بن عباس ثلاثة مرات يُوقفه عند رأس كل آية، فلذا كان أئمة السنة يُعظمون تفسير مجاهد، كالثوري والإمام أحمد والشافعي والبخاري وغيرهم.
فإذا تبيَّن هذا فلا ينبغي لأحدٍ أن يُعارِض هذا الاعتقاد السلفي.
فإن قيل: قد ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ فسَّر المقام المحمود بالشفاعة؟
فيقال: لا تعارض بينهما؛ وذلك أنَّه يمكن الجمع بينهما بأنَّ الله يُقعِدُ نبيَّهُ فيأذن له ان يشفع، أو يشفع ثم يُقعده، بأن يجمع بين الأمرين، وفي الجمع بين الأمرين جمعٌ بين أعلى منزلتين، أعلى منزلة مكانية بشرية بأنَّ الله أقعده معه على العرش، وأعلى منزلة معنوية بأن جعل له الشفاعة العظمى.
وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى- كما في فتاواه.
فالمقصود أنه لا يصح أن يُخالَف في هذا الاعتقاد، وينبغي أن يُقرَّر وأن يُنشَر بين أهل السنة، لكن لو قُدِّر أنَّ أحد فضلاء أهل السنة قد خالَف في ذلك فهي مخالفةٌ جزئيَّة لا يُضلَّل فيها المخالف ولا يُسقط عن منزلته، وإنما يُحفَظ له مكانه، هذا من جهة، والجهة المُقابلة لا يُوافق على ذلك، بل يُبيَّن خطأه.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.