هل يجوز تأخير الحج لمن كان قادرًا عليه؟


يقول السائل: هل يجوز تأخير الحج لمن كان قادرًا عليه؟

الجواب:

إنه إذا أمرَ اللهُ بأمرٍ على وجه الوجوب أو أمرَ نبيُّهُ ﷺ بأمرٍ على وجه الوجوب، فإنَّ الأمر في مثل هذا يقتضي المبادرة والفور، كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] وقال سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21] إلى غير ذلك مِن الأدلة.

ومِن ذلك الأمرُ بالحج، فإنه أمرٌ على الفور، ذهب إلى هذا الحنفية والمالكية والحنابلة، ويدل لذلك ما تقدم تقريره أنَّ الأمر يقتضي الفور، ويدل عليه أيضًا ما ثبت عند البيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: ليَمُتْ يهوديًّا أو نصرانيًّا -ثلاث مرات- مَن كان ذا جَدَة وخليَتْ له السبيل ولم يَحُج. صحح الأثر ابن كثير وابن حجر وغيرهما.

فدلَّ هذا على أنَّ الحج واجبٌ على الفور، فمَن أخَّر الحج مع قدرته فهو آثم، ويكفي في هذا الوعيد الشديد الذي ذكره عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

وإنَّ مما هو خطأ أن كثيرين يتحجَّجون بأنهم غيرُ مستطيعين للحج لأنه ليس عندهم مال، وتراهم في المقابل يسافرون للسياحة ويخسرون الآلاف الكثيرة، وبينما إذا جاء وقت الحج تعذَّروا بأنَّ الحج غالٍ في سعره وثمنه… إلى غير ذلك، ويبخلون بآلافٍ غير كثيرة على ركن مِن أركان الإسلام، وفي المقابل يُفرطون بآلافٍ كثيرةٍ في رحلة سياحةٍ وتنزُّه، وهذا مِن الخطأ الكبير ومِن عدم شكر نعمة الله عز وجل.

وأيضًا مِن الخطأ الشائع أنَّ كثيرًا مِن النساء يتساهلن في أمر الحج، فتذهب على إحداهنَّ السنوات ولم تحج مع قدرتها ومع وجود المحرم، وهذا محرمٌ وغير جائز على ما تقدم تقريره، فالذي يجب على كل قادرٍ هو أن يُبادر بالحج بما أنه قادر وقد مَنَّ الله عليه وجعله مستطيعًا، وقد قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97].

وعجبي كيف نُفرِّط في الحج لاسيما في الحج الواجب مع تكاثُر الأدلة في بيان فضله وعلو منزلته وكثرة تكفيره للذنوب، أخرج البخاري مِن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن حجَّ ولم يرفُث ولم يفسُق، رجعَ كيوم ولدته أمه»، وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

وأخرج الترمذي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبَث الحديد».

وإني أدعو إخواني المسلمين أن يُبادروا إلى الحج، أدعو مَن كان مستطيعًا أن يُعجِّل به وألا يُفرِّط، فإنَّ أحدنا لا يدري متى يهجم عليه هادم اللذات ومُفرِّق الجماعات، ويومذاك يقع في الحسرات ويندم على تفريطه في هذه الطاعات، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يمُنَّ علينا جميعًا بالحج المبرور وأن يجعله مُكفِّرًا لذنوبنا وأن يجعلنا نرجع مِن حجنا كيوم ولدتنا أمهاتنا.

462_1


شارك المحتوى:
0