هذا هو ابن تيمية


الحمد لله ناصر الحق ومُتَّبِعه، وداحِض الباطل ومُبتدِعه، أحمده والتوفيق للحمد من نعمه، وأشكره والشكر كفيلٌ بالمزيد من فضله وكرمه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله ترك أمته على مثل البيضاء الطريقة الواضحة الغرَّاء، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.  أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله فقد نجا من اتقى، وضلَّ من قادَه الهوى، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

عباد الله : لنسابق التاريخ سيرا الى الورى ، ولنقلب صفحاته قبل ثمانية قرون ، فإذا اضخم مدونة لتأريخ الاسلام ككتاب البداية  لابن كثير وهو يسطر تأريخ فترة زمنية في أبرز أقاليم الإسلام آنذاك العراق والشام ومصر وإذا صفحاته لا يكاد يخلو منها بل ولا بضع سطورها بذكر رجل لم يتم عقده السابع ما بين هجرة وتعلم ، وجلاد وجدال ، وقيادة ورهين سجن ، فطار ذكره في الخافقين وانقلب التأريخ إلى تأريخه ، فمن هو يا ترى ، وهل مثل هذا يستطاع أن ينوه بذكره فضلا أن يحاط بخبره في خطبتين أو عشرا .

إنه مالىء الدنيا وشاغل الناس ، أو كما يقول أحد المستشرقين جولد زيهر : “وضع ألغاماً في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب ، وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن”

قال عنه الإمام ابن رجب:( الإمام الفقيهُ، المجتهد المحدِّث، الحافِظ المفسِّر الأصولي، الزاهد، شيخ الإسلام، وعَلَم الأعلام، وشهرته تُغْني عن الإطناب في ذِكْره، والإسهاب في أمره ) إنه أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية الحراني الدمشقي

شيخ أبيض، أسود الشعر واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنه، كأن عينيه لسانان ناطقان، رَبعة في الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحا، سريع القراءة» ، «تعتريه حدة ثم يقهرها بحلم وصفح وإليه كان المنتهى في الشجاعة والسماحة وقوة الذكاء »

هاجر مع والده وأهل بيته من حران إلى دمشق وهو في السابعة من عمره، وذلك بسبب جور التتار .

عاش ابن تيمية حقبة من حقب التاريخ كانت توصف تاريخيا بالموران والاضطراب في كل نواحيها السياسية والدينية والاجتماعية، فالدولة كانت تعاني خارجيا من أكبر تهديدين عاشتهما أمة الإسلام قبل ذلك وهما الخطر الصليبي والتتري، وتخضع داخليا لفوضى في التولية والعزل ، وللمؤامرات تحاك من الخصوم والأعوان على السواء، وأما دينيا فكانت الأمة تعيش حالة من الفوضى سببها البعد عن المنهج السلفي، والجري خلف الهرطقات الكلامية والفلسفية والصوفية التي خلفها العهد الأيوبي الذي مكن للمذهب الأشعري في العقيدة”، ولم يتحسن ذلك الوضع في العهد المملوكي الذي جاء بحكام غرباء عن لغة الأمة ، وضعفاء في فهم دينها مما جعل ميلهم مع الأهواء الذي أتاح للنزعات غير الإسلامية أن تصول وتجول في عقول الأمة ، وهذا الواقع العقدي نشأ عنه تعصب ذميم للمذاهب الفقهية، وجمود مقيت وإمعان في البعد عن الدليل من نبعه الصافي ، فكان العصر الذي عاش فيه يسيطر عليه المذهب الأشعري ومسحة من التصوف ، وكان ابن تيمية خصما لهذه جميعها، وقد أثار عليها منذ أول الأمر حربا عوانا .

ـ نشأ ـ رحمه الله تعالى ـ في تصون تام وعفاف وتأله واقتصاد في المأكل والملبس،

قال الإمام الذهبي : فقرأ القرآن والفقه ، وناظَرَ واستدلَّ ، وهو دون البلوغ ، برع في العلم والتفسير، وأفتى ودرَّس وله نحو العشرين سنة، وصنَّف التصانيف ، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه

أخذ عن أكثر من مائتي شيخ، وكان أول سماعه وهو في السابعة من عمره .

قال الحافظ ابن حجر: (فاق الأقران ، وصار عجبًا في سُرعة الاستحضار ، وقوَّة الجَنان ، والتوسُّع في المنقول والمعقول ، والاطلاع على مذاهب السَّلَف والخَلَف )

قال الإمام المِزيُّ 🙁 ما رأيتُ مثلَه، ولا رأى مثلَ نفسه،

وما رأيت أحدًا أعلمَ بكتاب الله وسُنة رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – ولا أتبع لهما منه ) إنه ابن تيمية .

قال عـن نفسه كما في الفتاوى : «قد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما أوردوه مـن الـحـديث، ووقفـت مـن ذلك على ما شاء الله من الكتب الصغار والكبار أكثـر مـن مئـة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هـذه أحداً مـن الصحابة أنـه تأول شيئا من آيات الصفات»

آتاه الله قوة في الحفظ والذكاء وسرعة البديهة التي وهبها الله له، قل ما حفظ شيئا فنسيه، كان يحفظ المحلى عشرون مجلداً، وأول محفوظاته من الحديث الجمع بين الصحيحين للحميدي .

قال القاضي ابن دقيق العيد وهو من طبقة مشايخه 🙁 لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا كُلُّ العلوم بين عينيه، يأخُذ ما يريد ويَدَع)

قال الذهبي : وفسَّرَ كتابَ الله تعالى مدةَ سنين من صدره في أيام الجمع ، وكان يتوقَّد ذكاءً ، ومعرفتُه بالتفسير إليها المنتهى، وحِفْظُه للحديث ورجاله وصحَّته وسقمه فما يُلحَق فيه، وأما نقلُه للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلًا عن المذاهب الأربعة، فليس له فيه نظيرٌ، وأما معرفتُه بالملَلِ والنِّحَل والأصول والكلام، فلا أعلم له فيها نظيرًا، ويدري جملةً صالحةً من اللغة، وعربيتُه قويةٌ جدًّا ، ومعرفتُه بالتاريخ والسير فعجب عجيب ، وأما شجاعتُه وجهادُه وإقدامُه، فأمرٌ يتجاوز الوصْفَ ، ويفوق النَّعْتَ ، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يُضْرَبُ بهم المثلُ ، وفيه زُهْدٌ وقناعةٌ باليسير في المأكل والمشرب )

يقول ابن القيم : حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريـب مـن انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال: «هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي»

يقـول ابن تيمية رحمه الله: «إنـه ليقـف خـاطري في المسألة أو الشيء أو الحاجة التي تشكل علي فأستغفر الله ألـف مـرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينحل إشكال ما أشكل… قال: وأكـون في ذلـك في السوق أو المسجد أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر أو الاستغفار إلى أن أنال مطلوبي”

يقول ابن الوردي : رأيت من فتوته ومروءته ومحبته لأهل العلم ولا سيما الغرباء منهم أمرا كثيرا، وصليت خلفه التراويح في رمضان فرأيت على قراءته خشوعا، ورأيت على صلاته رقة خاشعة تأخذ بمجامع القلوب!»

وقال ابن القيم الله:«كان شيخ الإسلام يسعى في حوائج الناس سعيا شديدا،لأنه يعلم أنه كلما أعان غيره أعانه الله

وكان يقول: «السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم، وتكف عن ظلمهم خوفا

من الله لا منهم ”

كان رحمه الله محافظا على الوقت منذ صغره، كانـت حياتـه مليئـة بالعلم والعمل، ذكر الصفدي أن بعض أهله سألوه أن يروح معهم يوم سبت ليتفرج، فهرب منهم وما ألوى عليهم ولا عرج، فلما عادوا آخر النهار لاموه على تخلفه، وتركه لاتباعهم وما انفرد به من تكلفه، فقال: «أنتم ما زيد لكم شيئا ولا تجدد، وأنا حفظت في غيبتكم هـذا المجلد، وكان ذلك كتاب «جنّة الناظر وجنة المناظر»

هذه نتف من رؤوس القلم عن هذا الإمام ، رحمه الله واسكنه عالي الجنان .

أقول ما سمعتم ..

الخطبة الثانية :

الحمد لله …..

عباد الله : كان ابن تيمية رحمه الله في مطلع أمره له ميل في مسائل محدودة عن الصواب، كما قال عن نفسه ” (في مسألة: الصفات الاختيارية ، أو حلول الحوادث) ، وَمَسْأَلَةُ الزِّيَارَةِ ، وَغَيْرُهُمَا ، وذكر أنه حَدَثَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا شُبَهٌ ، قال:وَأَنَا وَغَيْرِي كُنَّا عَلَى مَذْهَبِ الْآبَاءِ فِي ذَلِكَ نَقُولُ فِي الْأَصْلَيْنِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَنَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ نَتَّبِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَوْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُول ….” وذكر رحمه الله في موضع آخر : أنه صنف منسكا ذكر فيه استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها ، ثم تبين له أن ذلك بدعة) مما يبين للمنصف سرعة رجوعه للحق بعد تبين بطلان ما عليه

دون مكابرة ، ومحاولة تصحيح تبعا للدليل من الوحيين

فلماذا هذا العداء لابن تيمية يقول الأستاذ محمد كرد علي رحمه الله :(أراد إرجاع الدين إلى نضرته الأولى، وتعريته من القشور التي ألصقها به الجهلة المتنمسون، فآذوه وعذبوه، وسجنوه ونفوه )

هكذا سعى ويسعى خصومه وإلى اليوم لتشويه سيرته وحجب الناس عنه وهي طريقة أهل البدع المتهافته إلى قيام الساعة ، فكم من المصنفات صنفت فيه ، وكم من المؤتمرات العالمية في دول إسلامية بل ودول غربية كافرة ؟! إنها في كثير منها لاقصاء فكره وتشويه صورته لكن (إن الله لا يصلح عمل المفسدين).

شواهد ذلك حال كثيرين منهم الحافظ المسند عبدالحي الكتاني ،  كان في مبتدأ أمره شانئاً لابن تيمية مجانباً لدعوته، ثم تغير موقفه بعد اطلاعه المتزايد لكتب ابن

تيمية واحتفائه بالسنة والأثر .

فكم كان لابن تيمية من الحُسَّاد ، والذين افتروا عليه ووشو به ، واتهموه بما ليس فيه ، حتى اتهمه رجلان بالتجسس وزوروا عليه مكتوبًا ، لأجل الخلاص منه وإعدامه ، ولكن الله فضح أمرهما  وزورهما ، فقتلها السلطان .

سجن سبع مرات قضى نحبه في آخرها بعد مضي سنتين أقبل فيه على قراءة القرآن ومدارسته مع أحد المشايخ كان معه فقرأه ثمانين مرة وكان آخر آية قرأها على هذا الشيخ وتوفي على اثرها قوله تعالى (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر)

ورغم شجاعته وكثرة أتباعه. لم يفسد هو أو أحد من أتباعه انتقاما لسجنه ، بل قال للكاتب شمس الدين الوزير: قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق. وإني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلداً غيره معذوراً ولم يفعله لحظ نفسه بل لما بلغه مما ظنه حقا من مبلغه ، والله يعلم انه بخلافه.

هكذا عاش هماما ، ومات إماما ، وسنمضي في سيرته ومنهجه خطبا قادمة بمشيئة الله .


شارك المحتوى:
0