ما هي قصة موسى -عليه السلام- مع بني إسرائيل بالترتيب ؟


يقول السائل: أشكل عليَّ فهمُ قصة موسى -عليه السلام- بالترتيب مع بني إسرائيل، أرجو ذكرها مرتبة بعد نجاته وقومه من فرعون وملئه.

الجواب:

إنَّ معرفة قصة بني إسرائيل بالترتيب يُنظر في آيات القرآن، وفي كلام المفسرين، وفيما ذكره ابن كثير في كتابه (قصص الأنبياء) في قصة موسى -عليه السلام-، وفي كلام ابن عباس لسعيد بن جبير لمَّا سأله، فقد جاء مرفوعًا لكن صححه المزي وابن كثير موقوفًا على ابن عباس -رضي الله عنهما-.

وخلاصة الأمر ما يلي:

الأول: الإغراق، فقد أغرقَ الله فرعون وقومه وأنجى موسى وقومه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 50].

الثاني: لمَّا نجوا من الغرق مرُّوا بقومٍ يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى أن يسمح لهم بعبادة الأصنام كما هو حال أولئك القوم، وأنكر عليهم موسى -عليه السلام-، قال سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 138-139].

الثالث: ذهبَ موسى بعد ذلك إلى ميقات ربه، ليُكلمه ربُّه، وقد واعدَ قومَهُ أنَّ مدة ذهابه ثلاثون يومًا، لكن الله زادَ ذلك أربعين يومًا، قال سبحانه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142].

الرابع: لمَّا تأخر موسى عن قومه قالوا إنه قد ضلَّ ربه، ففُتنوا بقصة السامري، وأنه جعل لهم عجلًا يعبدونه، فعبده جماعة من قومه وخالفه آخرون، قال سبحانه: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: 85-86].

وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 51].

وقال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148].

الخامس: ذهب موسى مع سبعين من قومه اختارهم ليدعو ربهم ليتوب على الذين عبدوا العجل، قال سبحانه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 155].

ولما ذهب هؤلاء السبعون حصلت لهم رجفة، وكلم الله موسى، وقيل إنَّ هؤلاء السبعين سمعوا تكليم الله لموسى، وقيل لم يسمعوا، لكنهم ذهبوا مع موسى -عليه السلام- وقد اصطفاهم من بين قومهم، وهؤلاء لم يعبدوا العجل، وقيل إنَّ بينهم من عبد العجل لكن لم يعلم بحاله موسى وهارون -عليهما السلام-.

السادس: هؤلاء السبعون الذين اصطفاهم موسى لمَّا ذهبوا إلى ربهم وحصل ما حصل، أرادوا بعد ذلك أن يروا الله جهرة، فقال الله سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 55-56] أي ماتوا فأحياهم الله سبحانه.

السابع: رجع موسى مع هؤلاء السبعين وأخبروهم أنَّ الله لا يتوب عليهم حتى يقتل بعضهم بعضًا، حتى كان الولد يقتل أباه، والأب يقتل ولده، فصعُب الأمر عليهم، فشكوا ذلك إلى موسى، فجعل الله ظلمةً بأن يقتل بعضهم بعضًا ولا يرى بعضهم بعضًا، قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 54].

الثامن: بعد أن حصلَ القتل عرَضَ موسى على قومه أن يعملوا بالتوراة، وهم الذين بقوا بعد القتل، فاشترط هؤلاء القوم وقالوا: أرنا ما في التوراة، إن كان شديدًا وثقيلًا لم نعمل به، وإن كان سوى ذلك عملنا به، فشدَّد الله عليهم بأن جعل الجبل فوقهم كأنه ظُلَّة حتى يأخذوا ما في الكتاب بقوة، قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [البقرة: 63-64].

وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 171].

التاسع: أراد موسى من قومه بعد ذلك أن يدخلوا الأرض المقدسة أرض المقدس، لكنهم أبوا بحُجة أنَّ فيها قومًا جبَّارين، ولم يستجيبوا لموسى -عليه السلام-، قال سبحانه: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: 21-22].

العاشر: بعد ذلك عاقبهم الله بالتِّيه بأن تاهوا في الأرض، لا يدرون أين يذهبون، قال سبحانه: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 26].

الحادي عشر: أنزلَ الله على هؤلاء المَنّ والسلوى، وظلَّل عليهم الغمام من حرارة الشمس، والمَنُّ والسلوى طعامان ثمينان لكن الله منعهم أنَّ يدَّخروا، وإنما يأكلون مِن المَنِّ والسلوى، وقيل أقوالٌ في المَنِّ وأقوالٌ في السلوى، والسلوى طيرٌ والمَنُّ طعامٌ مُشتهَى ومحبوب، قال سبحانه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 160].

فمَنَّ اللهُ عليهم بهذا، بل ومَنَّ اللهُ عليهم بالماء وشرب الماء، فقال سبحانه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ أي أجزاءً وطوائف وأقسامًا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 160].

وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61].

والمشهور أنَّ المراد بقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ اهبطوا أرضًا فيها ما طلبتم من هذه الطلبات، وقيل إنه لم يستجب لهم عقوبةً لهم.

الثاني عشر: بعد ذلك طلَبَ الله منهم أن يرجعوا وأن يدخلوا الأرض المقدسة بعد التيه الذي بلَغَ أربعين سنةً، وفتَحَ الله لهم أرض المقدس، ومع ذلك كابَروا ودخلوا بخلاف ما أمرهم الله، أمرهم أن يدخلوا وهم سُجَّدًا، أي يمشون وهم راكعون، وأن يستغفروا لذنوبهم، ويقولوا حِطَّة، أي حُطَّ عنا ذنوبنا، لكنهم بدلوا الكلام وقالوا: حبة شعير … إلى غير ذلك من العبارات التي تدلُّ على مكابرتهم.

قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 58-59] أي أنزلنا عليهم عذابًا، بأن بدَّلوا الكلام وغيَّروهُ، وبدلًا مِن أن يقولوا: حطّ عنا خطايانا، قالوا: حبةٌ في شعير… إلى غير ذلك.

وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: 161-162].

هذا ملخَّص ما حصل لموسى مع قومه، ولو تأمَّلتم وجدتم بني إسرائيل مُلازمين للكِبر والعناد -عافاني الله وإياكم- إلا مَن رحم الله، وقد ذكر الله أيضًا قصتهم مع قتل رجلٍ، ولما أرادوا معرفة هذا الرجل كُلٌّ تنكَّر لذلك، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة … إلخ.

لكن ما تقدم ذكره هو -والله أعلم- على هذا الترتيب الذي سأل عنه السائل.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

397_1


شارك المحتوى:
0