يقول السائل: ما نوع الشرك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وما معنى الآية؟
الجواب:
إنَّ المُخاطب بقوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ آدم -عليه السلام- وحواء، وقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ صالحًا في خِلقته، ذكر هذا مجاهد وغيره.
وهذا الشرك المراد به الشرك بالمعنى العام، لا الشرك بالمعنى الخاص، فإنَّ الشرك بالمعنى الخاص هو الذي ينقسم إلى شرك أكبر وشرك أصغر، أما الشرك بالمعنى العام فهو مطلق المعاصي، فإنَّ مطلق المعاصي تُسمى شركًا بالمعنى العام؛ لأنَّ في فعلها تقديم الهوى، فسُميت شركًا بالمعنى العام.
وقد أشار لهذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (العبودية) وابن القيم في كتابه (مدارج السالكين) وابن رجب في رسالة الإخلاص، فإذن الشرك في هذه الآية: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ الشرك بالمعنى العام، والشرك بالمعنى العام المراد به كل معصية.
وهذا هو معنى قول قتادة -رحمه الله تعالى-: شركاء في طاعته لا في عبادته. أي عصوا الله عز وجل، وأطاعوا الشيطان، ومطلق المعصية ذنب، وتسمى شركًا بالمعنى العام لكن لا تسمى شركًا بالمعنى الخاص.
إذن قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ المراد به آدم وحواء، وتفسيره بهذا هو الثابت عن سمرة بن جندب فيما رواه ابن جرير، قال: قال الشيطان: سَمْياه عبد الحارث، فسمياه عبد الحارث.
وهو التفسير المأثور عن السلف، بل حكى ابن جرير عليه الإجماع، وقرَّر الشيخ سليمان بن عبد الله في كتابه (تيسير العزيز الحميد) أنَّ هذا هو تفسير السلف وهو المأثور عنهم، ولا ينبغي العدول عنه إلى غيره.
وذلك أنَّ الشيطان كان يهدَّدهما ويقول عندما حملت حواء: سمياه عبد الحارث أو قتلته. فلم يُطيعاه، فيُولَد فيموت، ثم بعد ذلك سمياه عبد الحارث، هذا هو الثابت عن السلف وهو المأثور عنهم، ولا يصح أن يُنتَقل عن هذا التفسير إلى التفاسير المتأخرة؛ لأننا مأمورون أن نفهم الكتاب والسنة بفهم السلف، سواء كان في التفسير أو غيره.
وقد استنكَر هذا بعضُ أهل العلم لكن لا محلَّ لاستنكارهم، وقال: كيف آدم يُطيع الشيطان …إلخ، فيُقال: ليُعلَم أنَّ الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة بالإجماع، حكى الإجماع ابن تيمية وغيره، بل حكاه كثير من أهل العلم، وأنَّ الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر، وهذا بإجماع السلف كما حكاه ابن تيمية.
ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121] فأثبتَ له المعصية، وقال سبحانه في محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1-2] فأثبتَ له ﷺ ذنبًا.
إلا أنَّ الأنبياء معصومون مِن الكبائر، وهذا بإجماع السلف، فإذَن هم معصومون من الشرك الأصغر والأكبر من باب أولى.
فالخلاصة: الأنبياء بالإجماع معصومون في تبليغ الرسالة، ومعصومون من الكبائر، ولسوا معصومين من الصغائر.
إذا تبيَّنَ هذا، فإنَّ التعبيد لغير الله بقول: عبد الكعبة، وعبد عمرو …إلى غير ذلك محرم بالإجماع، لكن إذا أُريد به مجرد التعبيد لفظًا فهو ليس كبيرةً، بل صغيرة، ووقع فيه آدم -عليه السلام- كما بيَّنَ ذلك سمرة بن جندب فيما رواه ابن جرير الطبري.
أما لو عبَّدَ لفظًا ومعنًى فهو شركٌ أكبر -والعياذ بالله- لو قال: عبدُ الرسول. وهو يريد أنه يعبدُ رسولَ الله ﷺ ويصرف العبادات له فهذا شركٌ أكبر، أما مجرد اللفظ فهو محرم وليس شركًا أكبر ولا شركًا أصغر، وإنما محرم، قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسمٍ مُعبَّدٍ إلى غير الله.
فالمقصود أنَّ التعبيد لغير الله لفظًا لا معنًى -لا بمعنى العبودية بصرف عبادة لغير الله- هذا محرم، والأنبياء لسوا معصومين من المحرمات، وهو صغيرة لأنَّ آدم -عليه السلام- وقعَ في ذلك.
فالخلاصة: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أي في خِلقتِه ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ جعلَ آدمُ وحوَّاء لله ِشُركاء بالمعنى العام، بأن عصوا الله في طاعته لا في عبادته كما قال قتادة، فسمَّوا ولدهم عبد الحارث حتَّى ينجو من الشيطان الذي تهدَّد بقتله، فأدركهم حبُّ الولد فسمَّياه عبد الحارث.
هذا هو معنى الآية، والذي يهمني في معناها أن يُعرَف أنَّ الشرك هنا بالمعنى العام، أي مطلق معصية الله، وهو كما قال قتادة: شركاء في طاعته لا في عبادته.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.