يقول السائل: ما صِحة حديث: «أنت ومالك لأبيك»؟ وهل اللام للتمليك أو الإباحة؟
الجواب:
إنَّ هذا الحديث حديثٌ صحيح، فقد أخرجه أحمد وأبو داود مِن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أنت ومالك لأبيك»، وسلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه لا تقوى على ابتداء حكمٍ جديد ولا على القيام به، إلا أنَّ لهذا الحديث شواهد، منها ما ثبت عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر مرسلًا أنه قال: قال النبيُّ ﷺ: «أنت ومالك لأبيك»، فهذا المرسل يُقوِّي هذا الموصول.
وأيضًا ثبت هذا الحكم عن عائشة -رضي الله عنها-، فقد ثبت عند ابن أبي شيبة أنَّ عائشة -رضي الله عنها- قالت: يأكل الرجل مِن مال ولده ما شاء، ولا يأكل الولد مِن مال والدِه إلا بإذنِه.
فبهذا يتبيَّن -والله أعلم- أنَّ الحديث صحيحٌ، وقد احتجَّ به الإمام أحمد فيما نقله ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد).
واللام في الحديث للتمليك لا للإباحة، هذا على أصح قولي أهل العلم، وهو قول للإمام أحمد -رحمه الله- وقول الحنابلة، وقد قال الإمام الشافعي في كتابه (الرسالة): لم يقل أحدٌ بظاهر الحديث. وذكر نحوًا مِن قوله المناوي في (فيض القدير).
والمراد بهذا أنه لم يقل أحدٌ إنَّ ملك الأب لمال الولد كمُلك الولد لمالِه، فهذا لم يقل به أحد ولا يصح القول به، ويؤكِّد ذلك أنَّ الولد إذا مات فإنَّ الأب لا يأخذ المال كله، بل له نصيبٌ مِن المال، ويدل لهذا أنه لو احتاج الولد شيئًا وأراد الأب أن يأخذ هذا الشيء، أو أن يأخذ المال الذي يُشترَى به هذا الشيء، فإنَّ هذا لا يصح، وأيضًا لا يصح للأب أن يأخذ المال وأن يعطيه ولده الآخر، فدلَّ هذا على أنه ليس ملكًا له كما هو ملك الأب، وهذا معنى قول الشافعي: لم يقل أحدٌ بظاهر هذا الحديث.
وهذا لا يتنافى مع القول بأنَّ اللام للتمليك؛ وذلك أنَّ للأب أن يأخذ مِن مال الولد ما شاء بحاجةٍ أو بغير حاجة، بشرط ألا يضرَّ الولد وألا يمنع الولد حاجته، وألا يعطي أولاده الآخرين.
فإذا تبيَّن هذا فإنَّ اللام في الحديث للتمليك، لكن لابد مِن التفصيل المتقدم في معنى التمليك، وهو أنَّ الأب لا يكون تصرفه بالمال وملكه في المال كملك الابن، وهذا لا يتنافى مع أن يكون له ملكٌ في هذا المال على ما تقدم بيانه.
