ما الدليل على وجوب طواف الوداع في العمرة؟


يقول السائل: ما الدليل على وجوب طواف الوداع في العمرة؟

الجواب:

إنه قبل ذِكر هذه المسألة أُحبِّ أن أذكرَ مسألةً هي كالمُقدمة لهذه المسألة، وهي أنَّ العلماء اختلفوا هل طواف الوداع نُسُكٌ -أي أنه متعلقٌ بالحج أو العمرة- أم أنه ليس نُسُكًا وإنما متعلِّقٌ بِمَن أراد أن يخرُجَ مِن مكة؟ كأن يكون الرجلُ تاجرًا وجاء إلى مكة لتجارةٍ وأراد أن يخرج مِن مكة، هل طواف الوداع متعلِّقٌ بمَن حجَّ واعتمَر؟ أو بِكُلِّ مَن كان في مكة وأراد أن يخرج مِنها ولو لم يحج أو يعتمر؟

في المسألة قولان، وأصح القولين أنه نُسُك، وهو قول مالك وقول تلميذه ابن القاسم، وهو قول الحنفية والحنابلة، وقولٌ عند الشافعية، وخالَف بعض المالكية وبعض الشافعية، إلا أنَّ أصح قولي أهل العلم أنه نُسُكٌ، ويدل لذلك أنه ثبت عند مالك في الموطأ أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: آخِرُ نُسك الحاج الطواف بالبيت. فعلَّقهُ عمر -رضي الله عنه- بالطواف بالبيت.

وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر في كتابه (التمهيد).

إذا تبيَّن فقبلَ الكلام على طواف الوداع في العمرة، وقبل أن أذكر خلاف أهل العلم، أُنبِّه إلى تنبيهاتٍ ثلاثة:

التنبيه الأول:أنَّ هناك فرقًا بين مَن يقول: إنه نُسُك، وبين مَن يقول: إنه متعلقٌ بالبيت كما تقدم.

التنبيه الثاني:أنَّ العلماء أجمعوا على أنَّ مَن اعتمَرَ ثم خرجَ مباشرة فليس عليه طواف وداع، ذكر هذا الإجماع ابن بطال في شرحه على البخاري.

التنبيه الثالث:الذين يرونَ طواف الوداع نُسُكًا المشهور عندهم أنهم لا يرون وجوبه في العمرة، منهم مَن يرى استحبابه لكن لا يرون وجوبه في العمرة، وهذا بخلاف مَن لم يره نسكًا وإنما رآه متعلقًا بالبيت، فمثل هذا منهم من رأى وجوبه، أما مَن رأى أنه نُسُك ورأى طواف الوداع في العمرة فإنَّ المشهور عند هؤلاء أنهم يرونه مستحبًّا ولا يرونه واجبًا.

بعد هذا، فإنَّ أصح قولي أهل العلم -والله أعلم- أنه ليس على المعتمر طواف وداع، كما هو قول الحنفية والحنابلة وقول عند الشافعية، ويدل لذلك ما يلي:

الأمر الأول:أنَّ النص الذي ورد إنما ورد في الحج، لما قال ابن عباس: أُمِرَ أن يكون الناسُ آخر عهدهم بالبيت …الحديث، أخرجه الشيخان، كان الخطاب مِن النبي ﷺ للصحابة في الحج.

الأمر الثاني: أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لمَّا بيَّن أن آخر النُّسُك الطواف بالبيت ذكرَ ذلك في حقِّ الحاج لا في المُعتمِر، فدلَّ على أنه عند الصحابة في حقِّ الحُجاج لا المعتمرين.

الأمر الثالث:لم يأتِ شيءٌ عن الصحابة -فيما أعلم- في بيان أنَّ طواف الوداع في حقِّ المعتمر، ولو كان مشروعًا في حق المعتمر سواء على وجه الوجوب أو الاستحباب لبيَّنه الصحابة؛ لأنَّ العمرة أكثُر وقوعًا مِن الحج، واعتِمارُ الصحابة أكثُر مِن حجِّهِم، ومع ذلك لم يأتِ عنهم -فيما أعلم- أنهم بيَّنوا أنَّ في العمرة طواف وداعٍ.

فبهذا يتبيَّن -والله أعلم- أنه ليس للعمرةِ طواف وداع، وأؤكد أنه لو قيل به لقيل به على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب لِما تقدَّم أنه نُسُك، ومَن يقول إنه نُسُك لا يقولون به على وجه الوجوب وإنما يقولون به على وجه الاستحباب في أحد القولين، وإلا القول الآخر فهو ليس مستحبًّا ولا واجبًا، وهو الصواب -والله أعلم-.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

468_1


شارك المحتوى:
0