يقول السائل: ما أحكام المسابقة والموافقة للإمام؟ ومتى تبطل الصلاة؟
الجواب:
إنَّ هذا السؤال يتعلق بمتابعة المأموم للإمام في الصلاة، وفي حال موافقة المأموم للإمام في التكبير أو الركوع أو السجود، وفي حال مسابقة المأموم للإمام، فيقال جوابًا عن هذا السؤال: إنَّ الجواب ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: المطلوب من المأموم هو أن يفعل فعله بعد الإمام، بمعنى ألا يركع إلا بعد الإمام، ولا يُكبِّر إلا بعد الإمام، ولا يُسلِّم إلا بعد الإمام، وهذا قول المالكية والشافعية، وهو قول عند الحنابلة، ويدل لذلك ما أخرج الشيخان من حديث أنس وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا …» الحديث، فدلَّ هذا على أنَّ المأموم يفعل فعله بعد الإمام ولا يسبقه ولا يُوافقه.
فإذا فعل الإمام الفعل وانتهى من فعله، فإنه يفعله، بمعنى إذا سجد الإمام يسجد المأموم، وإذا ركع يركع، ويدل لذلك أيضًا ما أخرج الشيخان من حديث البراء أنه قال: كان أحدنا لا ينحني بالسجود حتى يضع النبي ﷺ جبهته بالأرض.
وأخرج مسلم من حديث أبي موسى أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا كبَّر وركع فكبروا واركعوا»، فدلَّ هذا على أنه يفعل فعله بعد الإمام.
القسم الثاني: ما يتعلق بالموافقة، وهذا تحته أنواع ثلاثة:
النوع الأول: الموافقة في تكبيرة الإحرام، فإنَّ المأموم إذا وافق الإمام في تكبيرة الإحرام فإنَّ صلاته لا تصح ولا تنعقد، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد، ويدل لذلك أنَّ الأصل عدم انعقاد صلاته، ولا يُقال إنها انعقدت على وجه صحيح إلا أنْ يفعل الوجه الذي جاءت به الشريعة، والوجه الذي جاءت به الشريعة هو أن يُكبر بعد الإمام، فإذا كبَّر تكبيرة الإحرام مع الإمام فلم يأتِ بالوجه الشرعي، فلا تنعقد صلاته.
النوع الثاني: أن يُسلِّم المأموم مع الإمام، فإنه إذا سلَّمَ مع الإمام كان سلامه مكروهًا، وإلى هذا ذهب الشافعية في قول، والحنابلة في قول، ولا يُقال إنَّ سلامه مُحرَّمٌ وباطلٌ، ويدل لذلك أنَّ صلاته صحيحة، فالأصل صِحتها، فلما سلَّم مع الإمام خالَف الأمر الشرعي بموافقة الإمام، وسيأتي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه لم يُبطل صلاة الرجل لمَّا سبقَ الإمام، فإذَن مَن سلَّم مع الإمام من باب أولى، مع استحضار أنَّ الأصل صِحة صلاته، وإنما يُقال بالكراهة لأنه خالَف المطلوب شرعًا وهو أن يُسلم بعد الإمام.
النوع الثالث: أن يركع وأن يسجد وأن يرفع مع الإمام، وهذا الفعل مكروه، وهو قول الشافعية والحنابلة، وقول عند المالكية، وذلك لأنه ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنه- عند ابن أبي شيبة أنَّ رجلًا صلى بجانبه فرفع رأسه قبل الإمام، فأعاد ابن عمر رأسه ولم يُبطل صلاته، فدل هذا على أنَّ الموافقة لا تُبطل من باب أولى، وإنما يُقال بالكراهة لأنه خالف الوجه الشرعي.
القسم الثالث: المسابقة، بأن يُسابق المأموم الإمام، وتحت هذا أنواع ثلاثة أيضًا:
النوع الأول: المسابقة في تكبيرة الإحرام، بأن يُكبِّر المأموم قبل الإمام، وهذا أولى ألا تصح صلاته ولا تنعقد ممن لم تصح صلاته بموافقة الإمام على ما تقدم ذكره.
النوع الثاني: أن يُسابق الإمام بالسلام، بأن يُسلم وينصرف من الصلاة قبل الإمام، فمثل هذا لا تصح صلاته، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة؛ لما ثبت عن أنس في صحيح مسلم أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف»، ومثل هذا انصرف قبل الإمام فلم تصح صلاته، بل صلاته باطلة، وعلى أصح الأقوال لا تنقلب نفلًا؛ لأنه لا دليل على ذلك.
النوع الثالث: أن يسابق الإمام في الأفعال، أي في الركوع والسجود …إلخ، فمثل هذا إن رجع ثم تابع الإمام صحَّت صلاته، وهذا قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية، والدليل ما تقدم ذكره عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنَّ الرجل الذي رفع رأسه أعاد ابن عمر رأسه وصحَّت صلاته، مع أنَّ رفع الرأس خطأ؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يُحول الله رأسه رأس حمار؟»، ومع ذلك صحَّح ابن عمر صلاته ولم يُبطلها ولم يأمره بالإعادة.
لكن لو لم يرجع فإنَّ صلاته تبطل، وإلى هذا ذهب أحمد، وهو قول عند الحنابلة، ويدل لذلك حديث أبي هريرة: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يُحول الله رأسه رأس حمار؟»، وإنما استُثني إذا عاد لأثر ابن عمر، وما سوى ذلك فيبقى على أصل النهي، والوعيد يقتضي النهي والفساد.
هذا مختصر ما يتعلق بالموافقة والمسابقة.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.