مات رجلٌ وأبوه قد مات من قبل، فهل يرثه جده لأبيه وإخوته؟


يقول السائل: مات رجلٌ وأبوه قد مات من قبل، فهل يرثه جده لأبيه وإخوته؟

الجواب:
هذه المسألة طويلة الخلاف وقديمة الخلاف، فقد اختلف فيها صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بعد ذلك اختلف أئمة الدين، وقبل ذكر الراجح في هذه المسألة أُنبِّه إلى أن البحث فيما إذا مات رجلٌ وأبوه قد مات أي أبوه غير موجود، وبقي جده لأبيه وإخوته، ففي مثل هذا اختلف العلماء، هل يرث الجد ولا يرث الإخوة؟ وبمعنى آخر: هل يحجب الجد الإخوة؟ أم يرث الجد والإخوة ويُقسم بينهم على تفصيل؟

وقبل ذكر الراجح في هذه المسألة، ينبغي أن يُنتبه إلى ما يلي:
الأمر الأول: أن البحث في الإخوة الأشقاء والإخوة لأب، أما الإخوة لأم فلا يدخلون في هذا البحث بالإجماع كما حكى الإجماع ابن المنذر -رحمه الله تعالى-.
الأمر الثاني: أن البحث في الجد لأب لا الجد لأم، فإن الجد من جهة الأم لا يرث إجماعًا كما حكاه ابن حزم وغيره.

إذا تبيَّن هذان الأمران، فالصواب في هذه المسألة -والله أعلم- أن الجد يحجب الإخوة، بمعنى أن الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب لا يرثون مع وجود الجد، وقد ذهب إلى هذا جماعة من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما ثبت عن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن الزبير، وعلقه البخاري جازمًا به عن هؤلاء الصحابة، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية كما نسبه إليه المرداوي في (الإنصاف)، وقول طائفة من الشافعية والحنابلة، ورجحه ابن تيمية في مبحث مفيد، وابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) وغيره، وعليه مشايختنا وعليه أئمة الدعوة النجدية السلفية.

ووجه رجحان هذا القول ما يلي:
الأمر الأول: أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- جعل الجد حاجبًا للإخوة، ولم يُخالفه أحد في زمانه كما ذكر هذا البخاري -رحمه الله تعالى-.
الأمر الثاني: أن من القواعد المتقررة أصوليًا: أن الخلفاء الراشدين إذا اختلفوا فإن قول أبي بكر يُقدم على غيره ما لم يوجد دليل يُرجِّح قول غيره من الصحابة، فإذا اختلف الخلفاء الراشدون أنفسهم فإن قول أبي بكر مُقدم على غيره، كما ذكر هذا ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين).
الأمر الثالث: الصحابة المُخالفون في هذه المسألة اختلف النقل عنهم، فالصحابي نفسه يختلف النقل عنه كما اختلف النقل عن زيد بن ثابت وعن عمر وعن غيره، وهذا يُضعف قولهم، أما النقل عمن لا يرى التوريث ويرى أن الجد يحجب فإنه نقلٌ واحد، وقد أشار لهذا البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه.
الأمر الرابع: أن الصحابة المُخالفين في هذه المسألة مختلفون في طريقة توريث الجد وطريقة القسمة، فهذا يدل على ضعف قولهم؛ لأن بينهم خلافًا في هذه المسألة.
الأمر الخامس: -وهو مُرجِّح مهم لمن انتبه إليه- الإخوة لا يرثون إلا في صورة واحدة وهي الكلالة، والمراد بالكلالة: أن يموت الميت وليس له والد ولا ولد، كما هو الصواب، ففي مثل هذا لا يرث الإخوة إلا في حالة الكلالة، وقد أجمع العلماء على أن الجد إن وُجد فإن الإخوة لا يرثون، حكى الإجماع ابن قدامة، فهذا صريح في أن الجد عُومل معاملة الأب، إذن الجد أبٌ وهذا صريح لمن تأمله وتدبره.
الأمر السادس: أن الشريعة سمَّت الجد أبًا كما قال يوسف -عليه السلام-: ﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ [يوسف: 38] وهذا مُرجِّح مفيد وإن كان يصح تبعًا لا اعتمادًا.
الأمر السابع: أن الجد عُومل في الشريعة معاملة الأب كما في الشهادات وفي القصاص وغير ذلك، بل في أبواب كثيرة من أبواب الفرائض، فإن الجد يُعامل معاملة الأب، فإذا كان كذلك فإن هذه المسألة المختلف فيها يُعامل الجد معاملة الأب، وذلك أن الأب إذا وُجد لم يرث الإخوة فهكذا يُقال في الجد، إلى غير ذلك من المرجحات.

لكن أنبه السائل إلى أنه في مثل هذه الصورة لا يرث الإخوة وإنما الذي يرث هو الجد وهو يحجب الإخوة.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيرًا.

985_1


شارك المحتوى: