يقول السائل: كيف أُناقش وأُناظِر أشعريًّا؟
الجواب:
إنَّ الأصل المُتقرِّر عند أهل السنة أنهم لا يُناظرون ولا يُناقشون أهل البدع، كما نقلَ ذلك الإمام أحمد في كتابه (أصول السنة)، ونقله غيره مِن أئمة السنة، فالأصل أنَّ أهل البدع لا يُناقشون ولا يُناظرون، بل يُحقرون ولا يُتلفَت إليهم؛ لأنَّ الشُّبه خطَّافة ولأنَّ في مناظرتهم تقويتهم إذا لم يكونوا أقوياء في أرضٍ، هذا هو الأصل.
إلا أنَّ هذا الأصل كغيره مِن كثير مِن الأصول قد يُترَك لمصلحةٍ راجحة، لذا ناظر عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- الخوارج، كما رواه الإمام أحمد، والضياء المختارة، وغيرهم مِن أهل العلم، وناظر أئمة السنة جمعًا مِن أهل البدع، فقد ناظر الإمام الشافعي حفصًا الفرد، وناظر ابن خزيمة -رحمه الله- المعتزلة وأهل البدع في زمانه، كما بيَّن ذلك في مقدمة كتابه (كتاب التوحيد)، إلى غير ذلك.
فإذن الأصل ألا يُناظر أهل البدع، لكن إذا رجحَت المصلحة في مناظرتهم، فإنهم يُناظرون، ومما ينبغي أن يُعلم أنَّ مِن أضعف الطوائف الكلامية الأشاعرة؛ لأنهم مزيجٌ مركب، لذا كثُر فيهم التناقض، فهم يُظهرون أنهم مِن أهل السنة وحقيقة حالهم أنهم جهمية ومعتزلة، فهم في ظاهر الأمر ومَن رآهم مِن بعيد يظنهم أهل سنة، وحقيقة قولهم أنهم جهميةٌ ومعتزلة، لذا كثُر التناقض فيهم.
فمن أنفع ما ينفع في بيان ضلال الأشاعرة أن يكون المُناظِر والمُناقِش مُهاجمًا، وهذا في حق الأشاعرة وغيرهم، فإنَّ المهاجم غالبًا يظفر أو لا يخسر، أما أن يكون أهل السنة عند مناظرة أهل البدع مُدافعًا، فإنَّ مثل هذا أحسن أحواله ألا يخسر، والمفترض أن يسعى السني عند مناظرة أهل البدع أن يسعى إلى مهاجمتهم في بيان ضلالهم، وإذا اضطرَّ إلى الدفاع دافع ثم عاود الكرة بالهجوم.
فإنَّ مما يُبيِّن ضعف الأشاعرة ما يلي:
الأمر الأول:أنَّ الأشاعرة وعموم المتكلمين يستندون إلى العقل، والرجوع إلى العقل خطأ مِن جهة أنَّ العقول متفاوتة، فأيُّ عقلٍ يعتبرون؟ ومِن جهةٍ أخرى أنَّ الرجل في نفسه يرى الأمر حسنًا ثم بعد ذلك يتغيَّر رأيه، فكيف نرجع إلى ما هو مضطرب؟ وقد بيَّن هذا السجزي -رحمه الله- في رسالته إلى أهل زبيد.
الأمر الثاني:أنَّ الأشاعرة متناقضون فيما يتعلق بالصفات، فأثبتوا سبعًا مِن صفات المعاني وبعضهم أثبت ثمانٍ مِن صفات المعاني، فأثبتوا السمع والبصر …إلى غير ذلك، وأوَّلوا ما عدا ذلك، كالغضب والرضا والمحبة، فإذا قيل لهم: لماذا أوَّلتم الغضب والرضا والمحبة؟ قالوا: أوَّلنا ذلك حتى لا نقع في التشبيه؛ لأننا إذا أثبتنا غضبًا ومحبَّةً ومجيئًا لله سبحانه فإنَّنا شابهناه بالمخلوقين.
فيقال لهم: كما تصوَّرتم سمعًا للخالق وسمعًا للمخلوق، ولم يلزم مِن ذلك المشابهة، بل كلٌّ له سمعٌ يليق به، ولله المثل الأعلى، فمثل ذلك يُقال في الرضا والمحبة والمجيء والغضب …إلى غير ذلك، ولا دليل على التفريق بينهما، وقد اختصر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، قعَّد هذا في كتابه (التدمرية) وفي غيرها مِن كتبه.
الأمر الثالث: أوَّلتم بعض الصفات كالرضا والمحبة …إلخ حتى لا تُشابهوا الله بخلقه، ولم تستطيعوا أن تتصوَّروا أنه يُثبَت لله رضا يليق به ويُثبَت للمخلوق رضًا يليق به، ولكن تصورتم ذلك في الذات، فقلتم: إنَّ لله ذاتًا وإنَّ للمخلوق ذاتًا، ولكلٍّ ذاتٌ تليق به، فيقال: كما تصورتم ذلك في الذات فتصوروه في الصفات، وفي مثل هذا قال الخطابي والخطيب البغدادي وشيخ الإسلام ابن تيمية: القول في الصفات كالقول في الذات.
إلى غير ذلك مما يُبيَّن به ضلال الأشاعرة، ولأنَّ الأجوبة في مثل هذا مختصرة وإلا فإنَّ سُبل مناظرتهم كثيرة، وهم مِن أضعف الطوائف، وأُشير إلى أمر مهم وهو:
الأمر الرابع:أنهم متناقضون ومتعارضون ومتناطحون بينهم، فمتقدمو الأشاعرة كأبي الحسن الأشعري وغيرهم يُثبتوا الوجه واليدين والعينين، والمتأخرون لا يُثبتون ذلك، كالجويني والرازي وغيرهم، ويرون أنَّ إثبات هذا ضلال، بل منهم مَن يُصرِّح بأنه كفر، فهم متناقضون ومتعارضون ومتناطحون.
ومِن أنفع ما ينفع في معرفة كسر الأشاعرة وبيان ضلالهم وما يزيد الموحد والسني قوةً في مناظرتهم الرجوع إلى كتابين عظيمين، الكتاب الأول: (الفتوى الحموية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، والكتاب الثاني: (التدمرية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنَّ في هذين الكتابين أمرًا عظيمًا في بيان تهافت الأشاعرة، ولو أُضيف إلى ذلك رسالة السجزي إلى أهل زبيد لكان خيرًا على خير.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.
