يقول السائل: قرأت كلامًا لبعض أهل العلم بالسعودية ينقد الولاة أو بعض المسؤولين، والحقيقة أثَّر هذا في نفوس بعض السلفيين، فما رأيكم في مثل هذا؟
الجواب:
إنَّ الحَكَم عند التنازع هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ على فهم سلف هذه الأمة، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10].
فالواجب أن يُردَّ الاختلاف إلى كتاب الله وإلى سنة النبي ﷺ، وإذا عُلِمَ أنَّ أحدًا مِن أهل العلم -مهما بلغَ في منزلته- خالَف الكتاب أو السنة أو منهج سلف هذه الأمة، فإنَّ كلامه يُرد، فلابد من كتاب وسنة على فهم سلف هذه الأمة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].
إذن يُحاكم الناس بهذه الأصول الثلاثة، بالرجوع إلى كتاب الله وسنة النبي ﷺ على فهم سلف هذه الأمة، ومَن خالف ذلك فإنَّ كلامه يُرد كائنًا مَن كان، وقد أجمع العلماء على ذلك، نقلَ الإمام ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) عن الشافعي أنه قال: أجمع العلماء على أنَّ مَن استبانَت له سنة النبي ﷺ فليس له أن يدعها لقول أحدٍ كائنًا مَن كان.
فإذا خالَف أحدٌ مِن أهل العلم شيئًا من كتاب الله أو سنة النبي ﷺ أو منهج سلف هذه الأمة، فإنَّ كلامه يُرد، ولا يُقبَل بالإجماع كما تقدم بيانه.
لكن إذا كان المُخالف فاضلًا وذا منزلة ومكانة، فتُحفظ مكانته مع ردِّ خطئه، فلابد أن نتعامل معه بهذين الأمرين، الأول أن يُردَّ خطؤه، والثاني أن تُحفَظَ مكانته، كما ذكر هذا الإمام ابن المبارك -رحمه الله تعالى- ونقله عنه ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وقرره في كتابه (بيان الدليل في بطلان التحليل) وابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين).
إذا تبيَّن هذا، فما ذكره السائل عن بعض أهل العلم من أنه يذكر أخطاء الحكام وأنه ينتقدهم، أو ينتقد بعض المسؤولين، فانتقاد الحكام خطأ ومُخالفٌ للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة، أما الأدلة فقد أخرج مسلم من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة» قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
أفردَ نصيحة أئمة المسلمين عن غيرهم، فدلَّ هذا على أنَّ لهم نصحًا مُغايرًا لغيرهم، كما أشار لهذا ابن أبي عاصم في كتابه (السنة) وبيَّن هذا العلامة السعدي -رحمه الله تعالى- ثم جاءت السنة ببيان ذلك عمليًّا من كلام النبي ﷺ وفعل الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-.
أما كلام النبي ﷺ فقد أخرج أحمد من حديث عياض بن غَنم أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن كان عنده نصيحة لذي سلطان فليأخذه بيده وليخل به، فإن استجاب منه فذاك وإلا قد أدَّى الذي عليه».
وثبت عند ابن أبي شيبة وفي سنن سعيد بن منصور عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- أنَّ سعيد بن جبير قال: ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن كان ولا بد ففيما بينك وبينه. ثم قال: ولا تغتب إمامك. أي لا تتكلم من ورائه.
فبيَّنَ عبد الله بن عباس أنَّ النصح يكون أمامه، وأنَّ الكلام وراءه غيبة ولا يجوز، بل ذكر شيخنا ابن عثيمين أنَّ غيبة ولاة الأمر أشد من غيبة عامة الناس.
وثبت في الصحيحين أنه قيل لأسامة بن زيد: ألا تقوم إلى عثمان فتأمره بالمعروف وتناه عن المنكر وتُناصحه؟ قال: إني لأكلمه فيما بيني وبينه لئلا أفتح باب فتنة.
وروى ابن أبي شيبة أنَّ عبد الله بن عكيم -رحمه الله تعالى- وهو تابعيٌّ وقيل إنه صحابي، قال: والله لا أُعين على دم خليفة بعد عثمان، قالوا: أو كنت تُعين على دمه؟ قال: إني لأعدُّ ذِكر مساويه عونًا على دمه.
ثم بيَّن العلماء أنَّ هذه الطريقة في نصح الحاكم، ألا يُشهَّر به …إلخ، إلى أئمة الدعوة كالشيخ سعد بن عتيق، وابن سليم، وغيرهم من أهل العلم، أخرجوا بيانًا وبيَّنوا أنَّ طريقة السلف ألا يُشهِّروا بأخطاء الحاكم وأن يُناصحوه من غير تشهير به، وغير ذلك.
إذا تبيَّن هذا كله، فإنَّ مَن انتقد الحكام فإنه قد وقع في مخالفة الأدلة، ومخالفة منهج سلف هذه الأمة، ومَن ناصح وأنكر فيجب أن يريد الله بذلك، فإذا كان كذلك فقد تعبَّد بعبادة لا دليل عليها، بل تعبَّد بعبادة مُخالفة لكتاب الله وسنة النبي ﷺ ولمنهج سلف هذه الأمة، فمن كان كذلك فقد وقع في البدعة.
فالتشهير بأخطاء الحكام بدعة، زيادة على أنها سبب فتنة وضلالة كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، فلذلك مَن فعل هذه الطريقة أيًّا كان فإنَّ فعله خطأ كما تقدم، وهو مخالف لطريقة سلف هذه الأمة، وأؤكد على ما تقدم ذكره، تُحفظ له منزلته إذا كان عالمًا من علماء أهل السنة وفي المقابل لا يُوافق في طريقته، بل يُخطَّأ.
ومن البلاء الذي يُبتلَى به أهل الخير أن يرى أحد أهل العلم يُخالف الحق، فبهذا يكون في محنةً وبلاءً، فهو ما بين أن يترك الحق لقول هذا العالم، أو أن يتمسَّك بالحق ويُخالف العالم، وهذا هو الواجب، أن يتمسك بالحق ويُخالف العالم مع حفظ منزلته، فلذلك لا يجوز أن يُتناقَل كلامه، ولا كتابته ولا أن يُتناقل ما يكتب، بل يجب أن يُحذَّر الناس من هذا الخطأ مع حفظ منزلة هذا العالم حتى لا يفسد أهل السنة ويحصل لهم كما أشار إليه السائل من التأثر بكلام هذا العالم ولا تُوغر الصدور على ولاة الأمر مما يكون ابتداءً لفتنة أو لقبول فتنة، والنار العظيمة من مستصغر الشرر.
أما الكلام في المسؤولين، فمن علمائنا من لا يُجوِّز ذلك مطلقًا، ومنهم من يُجوزه، لكن ليُعلم أنه حتى من جوَّز ذلك فإنَّ الكلام الذي يُقصَد مِن ورائه أو يُفهَم من ورائه القدح في الحكام فلا يجوز لأن هؤلاء مسؤولون عند الحكام، والحكام تركوهم مسؤولين.
أما لو صار نقدًا يُفهم منه ويُعرف منه أنه لا يُقصد الحاكم وإنما يُقصد ذات المسؤول ويكون النقد بنَّاءً له فائدته بأن يبلغ الحاكم فيرد المسؤول عن الخطأ إلى غير ذلك، فهذا الذي تنازع فيه علماؤنا، أما أن يُفتح الباب على مصراعيه ويُنتقد المسؤولون بنقدٍ يرجع إلى انتقاص الولاة وإلى ذمهم، فلا يجوز، فإنَّ الأمور بمقاصدها وما أدَّى إلى محرم فهو محرم.
أسأل الله أن يهدي الجميع وأن يوفق الجميع لما يحب ويرضى.