يقول السائل: قال أبو داود للإمام أحمد: لنا أقارب بخرسان يرون الإرجاء، فنكتب إلى خرسان نُقرئهم السلام، قال: سبحان الله لم لا تُقرئهم؟ قلت: نكلمهم؟ قال: نعم، إلا أن يكون داعيًا ويُخاصم فيه.
الجواب:
في مقدمة جواب هذا السؤال إنَّ هجر أهل البدع أصلٌ مِن أصول أهل السنة، وقد دلَّ عليه كتاب الله وسنة النبي ﷺ وإجماع سلف هذه الأمة.
أما كتاب الله فقال سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: 22].
أما السنة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى اللهُ فاحذروهم».
أما الإجماع، فقد حكاهُ غير واحد ممَّن كتبَ في أصول اعتقاد أهل السنة، كالإمام أحمد في كتابه (أصول السنة)، وكالرازيين في عقيدتهما، وقرَّر هذا بقوة أبو عثمان الصابوني في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث).
إذَن هجرُ أهل البدع أصلٌ مِن أصول أهل السنة، مع أنَّ المبتدع مسلمٌ إلا أنه يُهجَر، بل إنَّ أهل السنة يُقرِّرون أنه يُشدَّد مع المبتدع في أحكام الدنيا أكثر مِن الكافر، لأنه يتضرر بالمبتدع ما لا يُتضرر بالكافر ويُغتَر به ما لا يُغتَر بغيره.
وروى أبو نعيم عن الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى- أنه قال: آكل مع اليهودي والنصراني ولا آكل مع المبتدع؛ فإني إن أكلت مع المبتدع اقتُدُيَ بي.
إذا تقرَّر أنَّ هجر أهل البدع أصلٌ مِن أصول أهل السنة، إلا أنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ دين الله قائم على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، ويُراعَى فيه اختلافُ الزمان والمكان، إلى غير ذلك، كما قرَّر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين من (مجموع الفتاوى)، وقرَّره الشيخ عبد اللطيف بن عبدالرحمن بن حسن كما في (الدرر السنية).
وقال ابن تيمية: ومما يدل على هذا أنَّ الإمام أحمد شدَّد على أهل البدع في بغداد لأنَّ السنة كانت ظاهرة، بخلاف خرسان فقد سهَّل فيهم. وذكر الأثر الذي ذكره السائل.
فإذن الإمام أحمد سهَّل في خرسان لأنَّ السنة ليست ظاهرةً ظهورًا بيِّنًا كما هو الحال في بغداد، فلذا سهَّل فيها ما لم يُسهَّل في بغداد، فالأصلُ هجر أهل البدع على ما تقدم تقريره، لكن الدِّين قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، فإذا كان في هجرهم مفسدة أكبر فإنها تُترك، ومِن ذلك أن تكون السنة ضعيفة، فإنهم إذا هُجروا قد لا يعلم الناس أنَّ هجرهم بسبب سوء حالهم، فلابد أن يُعلَّموا، وقد يكون أهل البدع غالبين فيحتاج إلى مراعاة المصالح والمفاسد بالتعاون معهم لأنَّ لهم قوةً، فلابد أن تُراعى أمثال هذه الأمور.
وهذا الذي فعله شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ما كان يُشدِّد على الأشاعرة في غالب كلامه، بل يُسهِّل فيهم وفي رؤوسهم وأئمتهم؛ لأنهم كانوا كثيرين وكانوا أهل قوة، وإن كان له كلام شدَّد فيه على بعض رؤسائهم وزعمائهم كالرازي في كتابه (بيان تلبيس الجهمية)، وشدَّ على الأشاعرة في مواضع كما في (مجموع الفتاوى)، إلا أنه مِن حيث الجملة كان يُراعي المصالح والمفاسد في عدم التشديد عليهم.
فإذن مثل هذا الكلام راجع إلى مراعاة المصالح والمفاسد على ما تقدم تقريره، وقد ضلَّ في باب هجر أهل البدع طائفتان:
طائفة سهَّلت في أمر الهجر، ولا ترى الهجر، وليَّنت في دين الله، وهذا كثيرٌ في الحزبيين وغيرهم، فإنَّ ولاءهم وعداءهم في حزبهم لا في دين الله، ودينهم قائم على التجميع كما هو حال الإخوان المسلمين وأمثالهم، ويُقابل ذلك: الحدادية، فإنهم غلوا في هذا الباب، وجعلوا الهجر مطَّردًا ولم يُراعوا فيه المصالح والمفاسد، وأهل السنة وسط في هذا، جعلوا الهجر أصلًا لكنهم يُراعون في ذلك المصالح والمفاسد، ويجعلون دين الله قائمًا على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.