صدرت تعليمات بعدم تجاوز صلاة التراويح نصف ساعة، فما أفضل قيام يمكن مع هذه التعليمات؟


يقول السائل: صدرت التعليمات بأن صلاة العشاء والتراويح لا تتجاوز نصف ساعة، فما أفضل قيام يمكن مع هذه التعليمات؟

الجواب:
إن قيام الليل عبادة عظيمة، وهي صفة أهل الإيمان وأهل التقوى والرضوان، كما قال سبحانه: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} وقال سبحانه: {والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا}.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام أهل قيام وإقبال على الرحمن، هذا في السنة كلها، فكيف في رمضان؟ فإن الأمر أفضل وأفضل، والعبادة فيه أجلّ وأجلّ.

وقد صدرت التعليمات في السعودية -أسأل الله أن يعزها بالتوحيد والسنة- ألا تتجاوز صلاة العشاء مع صلاة التراويح نصف ساعة، وهكذا صدرت تعليمات مماثلة أو مشابهة في بعض الدول الإسلامية، فأفضل ما يُفعل في مثل هذا -والله أعلم- أن يُطال القيام ويُقدَّم على عدد الركعات.

بمعنى: ألا يصلي إحدى عشر ركعة، فإنه إذا صلى إحدى عشر ركعة سيقرأ آيتين وثلاث آيات، ويكون ركوعه وسجوده سريعًا …إلخ، والأفضل في مثل هذا أن يصلي ركعتين ثم ركعتين ويُطيل فيهما بما يناسب الحال، ثم يصلي الشفع والوتر.

ويدل لذلك ما ثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن أفضل القيام؟ قال: “طول القنوت”. قال ابن عبد البر والنووي: اتفق العلماء على أن المراد بطول القنوت أي طول القيام. فدلّ هذا على أن طول القيام مُقدَّم وهو أفضل من كثرة عدد الركعات.

وبعضهم يظن أن السنة أن يُلازم إحدى عشرة ركعة مطلقًا سواء في هذه الظروف أو في غيرها، وهذا خلاف السنة -والله أعلم- فإنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يزيد في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة …الحديث، فهو ما كان يزيد، لكن كان يُنقص أحيانًا كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة أنه صلى ثمان ركعات ثم أوتر بواحدة، فكيف إذا كان الحال كهذه الظروف؟

فلذلك الأفضل أن يصلي ركعتين ويُطيل فيهما بما يناسب الزمان، ثم ركعتين ثم الشفع ثم الوتر، هذا هو الأفضل، والأفضل ألا يُطيل في دعاء القنوت وإنما يقتصر على دعاء مختصر من جوامع الدعاء الذي دلّ عليه القرآن أو دعا به النبي -صلى الله عليه وسلم- ليتمكّن من الإطالة بأكبر قدر ممكن، ثم بعد ذلك يصلي راتبة العشاء وممكن أن يؤخر راتبة العشاء ويصليها في البيت، ثم يستحب له إذا رجع إلى البيت أن يُطيل القيام وأن يُكثر الصلاة، فإن هذا مستحب في العام كله فكيف في رمضان؟ ثم في العشر الأواخر؟

فلذا ينبغي ألا تفوت علينا هذه الليالي العظيمة وهذه الأزمان الفاضلة بألا يُكثِر العبد كثرة الصلاة وألا يُفوّت طولها في بيته وألا يقتصر على صلاته في المسجد.

فإن قيل: كيف يصلي في بيته وقد أوتر؟
فيقال: له أحد طريقتين: إن شاء أنه إذا رجع إلى بيته يصلي ما شاء الله أن يصلي، يصلي ركعتين فيطيل ثم يصلي ركعتين فيطيل، بحسب قدرته واستطاعته وينتهي بلا وتر، وقد ثبت هذا عن جمع من الصحابة كما ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- عند عبد الرزاق وعمار بن ياسر عند ابن أبي شيبة، وابن عباس عند ابن المنذر، وإن شاء أن ينقض وتره، ومعنى نقض الوتر أن يرجع إلى بيته ويصلي ركعة واحدة وتر، وفي نيته أن هذه الركعة مع الوتر الذي صلاه مع الإمام أن هذا شفعٌ، ثم بعد ذلك يُصلي ما شاء الله، ثم إذا انتهى من الصلاة يشفع ويُوتر. وقد ثبت هذا عند ابن المنذر عن علي -رضي الله عنه- وهو ظاهر قول عبد الله بن عباس، وإليه ذهب الإمام أحمد.

فلذا ينبغي ألا تُفوَّت هذه الفضيلة وأن يُجتهد في قيام الليل وأن يُطال في قيام الليل، وأن يجاهد الإنسان نفسه ويشحذ همة زوجه وأولاده ومن حوله في أن يجتهدوا في قيام الليل.

أسأل الله أن يتقبل منا وأن يجعلنا ممن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا فغُفر له ذنبه، وجزاكم الله خيرًا.

1047_1


شارك المحتوى: