شهر المغفرة والغفران


الخُطْبَةُ الأُوْلَى

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَرَضَ الصِّيَامَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَشَرَعَ الْقِيَامَ لِلْمُتَهَجِّدِينَ، وَفَتَحَ أَبْوَابَ الْخَيْرِ لِلْمُتَزَوِّدِينَ، وَفَاضَلَ بَيْنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وَجَعَلَ الدُّنْيَا مَيْدَانًا لِلْمُتَسَابِقِينَ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَالشَّرْعِ الْحَكِيمِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى الْعَافِيَةِ وَالسَّرَّاءِ، وَنَسْأَلُهُ الصَّبْرَ فِي الْبَلَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ إِلَهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَكَافِلُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ دَلَّنَا عَلَى دِينِنَا، وَبَلَّغَنَا كِتَابَنَا، وَحَثَّنَا عَلَى مَا يَنْفَعُنَا، وَحَذَّرَنَا مِمَّا يَضُرُّنَا، وَبَشَّرَنَا وَأَنْذَرَنَا، وَرَغَّبَنَا وَرَهَّبَنَا، وَتَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَحْسِنُوا فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ؛ فَإِنَّهُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ، مَنْ فَاتَتْهُ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ. أَكْثِرُوا فيه من الخيرات، وتسابقوا فيه إلى الطاعات، وشمروا وجدوا، فما هي إلا أياماً معدوداتٍ تُصامُ تِباعًا، وتنقَضِي سِراعًا. وها هو قد انقضى شطره وذهب نصفه، فمن كان محسناً فليحمد الله تعالى وليسأله الزيادة والثبات إلى الختام، ومن كان مقصراً فَلْيرجعْ وَلْيتُبْ وَلْيتداركْ ما بقي من الشهر ولا يقنطْ من رحمة ربه، فما بقي من الشهر خير مما مضى منه.

عباد الله: قال النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلََّ: “يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ”، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: “وإنما قال [وَأَنَا أَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جَمِيعًا] قبل أمره بالاستغفار لئلا يقنط أحد من رحمة الله لِعِظَمِ ذنبٍ ارتكبَه”.

عباد الله: ما مِنَّا إِلَّا وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالمَعَاصِي، وَأَثْقَلَهَا بِالذُّنُوبِ، وَأَرْهَقَهَا بِالعُيُوبِ، وَمِنْ رَحْمَةِ الله بِنَا أَنْ جَعَلَ لنا مَوَاسِمَ نَسْتَكْثِرُ فِيهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَنُسَابِقُ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ العِبَادَاتِ، وَهَذَا رَمَضَانُ قَدِ انْتَصَفَ، فَمَنْ مِنْكُمْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِيهِ لله وَانتصف؟ مَنْ مِنْكُمْ قَامَ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِحَقِّهِ الَّذِي عَرَفَ؟ مَنْ مِنْكُمْ عَزَمَ قَبْلَ غَلْقِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ أَنْ يَبْنِيَ اللهُ لَهُ فِيهَا غُرَفاً مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ؟ أَلَا إِنَّ شَهْرَكُمْ قَدْ أَخَذَ فِي النَّقْصِ فَزِيدُواْ فِي العَمَلِ، فَكُلُّ شَهْرٍ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ منه خَلَفٌ، وأما شَهْرَ رَمَضَانَ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ مِنْهُ خَلَفٌ؟.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: (المُؤْمِنُ يَجْتَمِعُ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جِهَادَانِ لِنَفْسِهِ: جِهَادٌ بِالنَّهَارِ عَلَى الصِّيَامِ، وَجِهَادٌ بِاللَّيْلِ عَلَى القِيَامِ، فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الجِهَادَيْنِ وَوَفَّى بِحُقُوقِهِمَا وَصَبَرَ عَلَيْهِمَا وُفِّيَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَقَدْ جَاءَ فِي المُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «الصِّيَامُ وَالقِيَامُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ بِالنَّهَارِ وَيَقُولُ القُرْآنُ: مَنَعْتَهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ فَيَشْفَعَانِ. رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ، وَرُبّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنَ قِيَامِهِ السَّهَرُ، كُلُّ قِيَامٍ لَا يَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ لَا يَزِيدُهُ صَاحِبُهُ إِلَّا بُعْداً، وَكُلُّ صِيَامٍ لَا يُصَانُ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ وَالعَمَلِ بِهِ لَا يُورِثُ صَاحِبَهُ إِلَّا مَقْتاً وَرَدَّا، يَا قَوْمِ أَيْنَ آثَارُ الصِّيَامِ، أَيْنَ أَنْوَارُ القِيَامِ)، فجَاهِدُواْ أَنْفُسَكُمْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَدِّبُواْ قُلُوبَكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ الله وَاعْمُرُواْ أَوْقَاتَكُمْ بِتِلَاوَةِ القُرْآنِ وَالإِقْبَالِ عَلَى الرَّحْمَنِ، وَأَلِحُّواْ عَلَى مَوْلَاكُمْ بِالدُّعَاءِ فِي كُلِّ الأَوْقَاتِ، أَعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَاب).

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ وَالحِكْمَةِ أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُبارَكًا فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضَى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ: فأبشروا يا عباد الله فأبوابُ الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فُتِّحت، ونسماتُها على قلوبكم قد تفَتَّحت، وأبوابُ الجحيم كلُّها لأجلكم مغلّقة، وأقدامُ إبليس وذريتَه من أجلكم موثّقة.

عباد الله: صعِدَ النبي ﷺ المنبَرَ فقال: «آمِين آمِين آمِين»، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا؟ فَقَالَ: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُدْخِلْهُ الجَنَّةَ، فَقُلْتُ آمِين، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ آمِين، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ آمِين»، فما ظنُّك يا عبد الله بدُعاءٍ يدعُو به جبريلُ عليه السلام ويُؤمِّنُ عليه محمد عليه الصلاة والسلام؟!

فيا عبد الله: هذا أوانُ التوبة والاستِغفار، والأَوبَة والانكِسار، إذا لم تتب في شهر رمضان، فمتى تتُوب؟ وإذا لم ترجِع عن الذُّنوبِ والخطايَا في شهر الغُفران، فمتى ترجِع وتَؤُوب؟! تعرَّض لنَفَحات أرحَم الراحمين، لعلها تصيبُك فتسعدُ سعادة لا تشقى بعدها أبدًا، قال ﷺ: «افعَلُوا الخيرَ دهرَكم، وتعرَّضُوا لنَفَحات رحمةِ الله؛ فإن لله نفَحَاتٍ من رحمته يُصيبُ بها مَن يشاءُ مِن عبادِه»، قال ابنُ رجبٍ رحمه الله: “وما مِن هذه المواسِم الفاضِلَة موسِمٌ إلا ولله تعالى فيه وظيفةٌ مِن وظائِفِ طاعتِه، يُتقرَّبُ بها إليه، ولله فيه لطيفةٌ مِن لطائِفِ نَفَحَاته يُصيبُ بها مَن يعودُ بفضلِهِ ورحمتِه عليه”، فالسعيدُ مَن اغتنَمَ مواسِمَ الشهور والأيام والساعات، وتقرَّبَ فيها إلى مولاه بِما فيها مِن وظائِفِ الطاعات، فعسَى أن تُصيبَه نَفحَةٌ مِن تلك النَّفَحَات، فيسعَدُ بها سعادةً يأمَنُ بعدها مِن النَّار وما فيها مِن اللَّفَحَات، (وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ).

اللهم اجعلنا من السعداء الفائزين، ولا تجعلنا من الأشقياء المحرومين، واعنا على صيام شهرِ رمضانَ وقيامِه، وارزقنا فيه الجد والاجتهاد والقوة والنشاط، وأعذنا فيه من الفتن.

اللهم صل وسلم على محمد، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك الموحدين.

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم أجمعين، اللهم أجزهم عنا خير الجزاء يا كريم اللهم اجمعنا بهم وبأحبابنا في الفردوس الأعلى يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من الغلاء والوباء والربا والزنا والزلال والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


شارك المحتوى:
0