شكر نعمة التقنية والحذر من فتنتها


الخطبةُ الأولى:

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَفَرِّدِ بِالْعَظَمَةِ وَالْبَقَاءِ، الْمُتَفَضِّلِ عَلَى عِبَادِهِ بِجَزِيلِ الْعَطَاءِ، غَمَرَ الْخَلَائِقَ بِنِعَمِهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى آلَائِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ، هُوَ أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ وَمُحَاسَبُونَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَالْفَتِيلِ وَالْقِطْمِيرِ. إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْعَمَ عَلَيْنَا فِي هَذَا الْعَصْرِ بِنِعَمٍ عَظِيمَةٍ، وَيَسَّرَ لَنَا أَسْبَابًا مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّقْنِيَةِ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا، وَمِنْ ذٰلِكَ هَذِهِ الْوَسَائِلُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنْ هَوَاتِفَ ذَكِيَّةٍ، وَوَسَائِلِ تَوَاصُلٍ اجْتِمَاعِيٍّ، وَتَقْنِيَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ الَّتِي غَزَتِ الْبُيُوتَ وَالْمُجْتَمَعَاتِ.

إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْوَسَائِلَ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَالْأَجْهِزَةُ وَالتَّقْنِيَاتُ مُجَرَّدُ أَوْعِيَةٍ، وَالْعِبْرَةُ بِمَا يُودِعُهُ الْإِنْسَانُ فِيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فَمَنِ اسْتَخْدَمَ هَذِهِ التَّقْنِيَاتِ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ، أَوْ قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، فَقَدْ أَحْسَنَ وَاسْتَعْمَلَ النِّعْمَةَ فِيمَا يُرْضِي الْمُنْعِمَ سُبْحَانَهُ. وَمَنِ اسْتَعْمَلَهَا فِي تَتَبُّعِ الْعَوْرَاتِ، أَوْ نَشْرِ الشَّائِعَاتِ، أَوْ إِفْسَادِ الْأَخْلَاقِ، فَقَدْ كَفَرَ النِّعْمَةَ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.

إِنَّ اسْتِشْعَارَ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الضَّابِطُ الْحَقِيقِيُّ لِاسْتِخْدَامِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ؛ فَالْمُسْلِمُ لَا يَنْشُرُ إِلَّا مَا يَسُرُّهُ أَنْ يَرَاهُ فِي صَحِيفَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وَيَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فَإِذَا خَلَوْتَ بِجِهَازِكَ، وَظَنَنْتَ أَنَّكَ بَعِيدٌ عَنْ أَعْيُنِ الْخَلْقِ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ عَيْنَ الْخَالِقِ تَرْقُبُكَ، وَأَنَّ مَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ وَمَا تَتَحَرَّكُ بِهِ الْأَصَابِعُ مَسْطُورٌ فِي كِتَابٍ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا.

تَأَمَّلُوا -إِخْوَةَ الإِيمَانِ- فِي عِظَمِ مَسْؤُولِيَّةِ الْكَلِمَةِ؛ فَالْكَلِمَةُ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الْوَسَائِلِ لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْمَجْلِسِ، بَلْ تَطِيرُ فِي الْآفَاقِ فِي لَحَظَاتٍ، وَيَقْرَؤُهَا الْمَلَايِينُ، وَتُحْفَظُ فِي الْخَوَادِمِ وَالذَّاكِرَاتِ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. إِنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ أَوْ يُسَجِّلُهُ أَوْ يُعِيدُ نَشْرَهُ هُوَ “قَوْلٌ” مُحَاسَبٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَسْتَهِينُونَ بِالتَّعْلِيقَاتِ أَوِ الْمَنْشُورَاتِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مُجَرَّدُ “تَسْلِيَةٍ” أَوْ “تَعْبِيرٍ عَنْ رَأْيٍ”، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَذَّرَنَا أَشَدَّ التَّحْذِيرِ مِنَ الْكَلِمَةِ الْمُرْتَجَلَةِ الَّتِي لَا يُلْقِي لَهَا صَاحِبُهَا بَالًا، رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا». فَكَيْفَ بِمَنْ يَكْتُبُ كَلِمَةً تُسَبِّبُ شِقَاقًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ تَطْعَنُ فِي عِرْضِ غَافِلٍ، ثُمَّ تَنْتَشِرُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ انْتِشَارَ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ؟ إِنَّ وِزْرَهَا سَيَبْقَى مَا بَقِيَتِ الْكَلِمَةُ مُتَدَاوَلَةً، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ امْرُؤٌ فِي جَوَارِحِهِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّقْنِيَاتِ شَاهِدَةٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ.

وَاْعلَمُوا أَنَّ الِْاعْتِمَادَ عَلَى الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي أَخْذِ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الرُّجُوعِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ أَمْرٌ خَطِيرٌ لِلْغَايَةِ؛ فَالذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ بَرْنَامَجٌ يَجْمَعُ مَعْلُومَاتٍ وَيُعِيدُ صِيَاغَتَهَا بِحَسَبِ مَا أُدْخِلَ فِيهِ، وَكَثيرًا مَا يُخْطِئُ أَوْ يُلَبِّسُ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، وَهَذا يُؤَدِّي إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْبِدَعِ أَوْ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ أَوْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ وَالْعُلَمَاءَ الرَّاسِخِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي دِينِهِ بِهٰذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَلْيَبْذُلِ الْجُهْدَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الصَّحِيحِ مِنْ مَصَادِرِهِ الْمَوْثُوقَةِ.

إِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ قَدْ تَكُونُ بَابَ خَيْرٍ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي نَشْرِ الْخَيْرِ، فَحَاوِلْ أَنْ تَجْعَلَ لَكَ مَشْرُوعًا عِلْمِيًّا دَعَوِيًّا تَلْقَى اللَّهَ بِهِ فِي نَشْرِ كَلِمَاتِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الْمَوْثُوقِينَ، كَالْعَلَّامَةِ عبد العزيز بن باز، وَالْعَلَّامَةِ محمد ناصر الدين الألباني، وَالْعَلَّامَةِ محمد بن صالح العثيمين، وَالْعَلَّامَةِ صالح الفوزان -وَفَّقَهُ اللَّهُ- وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَاجْتَهِدْ أَنْ تَنْشُرَ أَقْوَالَهُمْ فِي أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الشِّرْكِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى السُّنَّةِ وَتَرْكُ الْبِدْعَةِ، وَأَنْ تَجْتَهِدَ عَلَى اسْتِغْلَالِ نَشْرِ كَلَامِهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ، فَإِذَا قَرُبَ الْحَجُّ تَنْشُرْ أَقْوَالَهُمْ فِي فَضْلِ الْحَجِّ، وَفِي فَضْلِ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي فَضْلِ صَوْمِهَا وَالْعِبَادَةِ فِيهَا، وَفِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَاغْتَنِمْهَا؛ إِنَّهَا أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ هِيَ فِتْنَةُ “تَزْيِيفِ الْحَقَائِقِ” عَبْرَ تَقْنِيَاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ. لَقَدْ أَصْبَحَ بِإِمْكَانِ الْإِنْسَانِ الْيَوْمَ أَنْ يُرَكِّبَ مَقَاطِعَ مَرْئِيَّةً، أَوْ يُقَلِّدَ أَصْوَاتًا، أَوْ يَنْتَحِلَ شَخْصِيَّاتٍ لَا وُجُودَ لَهَا، أَوْ يَنْسُبَ أَقْوَالًا زُورًا لِعُلَمَاءَ أَوْ مَسْؤُولِينَ أَوْ عَامَّةِ النَّاسِ.

إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- هُوَ مِنْ أَشَرِّ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَالْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ؛ فَالْكَذِبُ فِي ذَاتِهِ مُحَرَّمٌ، فَكَيْفَ إِذَا اقْتَرَنَ بِالتَّدْلِيسِ وَتَزْوِيرِ الْوَاقِعِ؟ إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ هَذِهِ التَّقْنِيَاتِ لِإِظْهَارِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ، أَوْ لِلِاعْتِدَاءِ عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ وَخُصُوصِيَّاتِهِمْ، إِنَّمَا يَرْتَكِبُونَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا. قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

إِنَّ التَّجَسُّسَ وَتَتَبُّعَ الْعَوْرَاتِ وَتَشْوِيهَ السُّمْعَاتِ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. وَحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ ضَعْفَ النَّاسِ أَوْ يَتَّبِعُونَ عَوْرَاتِهِمْ، رَوَى الترمِذِيُّ وَغَيْرُهُ -وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ- عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ).

لِذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ فَطِنًا حَذِرًا، فَلَا يُصَدِّقُ كُلَّ مَا يَرَاهُ فِي هَذِهِ الْوَسَائِلِ، وَلَا يُسَارِعُ فِي نَشْرِ الْمَقَاطِعِ وَالْأَخْبَارِ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهَا إِلَيْهِ. إِنَّ التَّثَبُّتَ وَالتَّبَيُّنَ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ هَذَا الدِّينِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

إِنَّ الِانْسِيَاقَ خَلْفَ الْأَخْبَارِ الْمُفَبْرَكَةِ يُسَبِّبُ إِثَارَةَ الْبَلْبَلَةِ، وَيُزَعْزِعُ الْأَمْنَ، وَيَقْطَعُ الرَّوَابِطَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ. وَمَنْ أَعَادَ نَشْرَ مَا لَمْ يَتَثَبَّتْ مِنْهُ، فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْإِثْمِ وَالْكَذِبِ، وَرَوَى مسلمٌ في مُقَدِّمَةِ صحيحِهِ عَن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ بنِ العاصِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». وَتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَادِثَةِ الْإِفْكِ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.

وَإِنَّ سُوءَ اسْتِخْدَامِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ تَضُرُّ بِالْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالدُّوَلِ؛ مِنْهَا الِاحْتِيَالُ الْمَالِيُّ، وَتَأْجِيجُ الرَّأْيِ الْعَامِّ بِالْبَاطِلِ، وَنَشْرُ الْفِتَنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ هَذَا مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. فَاحْفَظُوا جَوَارِحَكُمْ، وَطَهِّرُوا حِسَابَاتِكُمْ فِي هَذِهِ الْوَسَائِلِ مِنْ كُلِّ مُنْكَرٍ، وَاجْعَلُوهَا حُجَّةً لَكُمْ لَا حُجَّةً عَلَيْكُمْ.

وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّكُمْ مَيِّتُونَ، وَغَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مَوْقُوفُونَ، ثُمَّ مَسْؤُولُونَ، فَأَعِدُّوا لِلسُّؤَالِ جَوَابًا، وَلِلْجَوَابِ صَوَابًا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ بِلَا حِسَابٍ، وَغَدًا حِسَابٌ بِلَا عَمَلٍ، فَأَعِدُّوا الْعُدَّةَ، وَتَذَكَّرُوا يَوْمَ الْمَعَادِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] وَاحْذَرُوا الْغَفْلَةَ، فَكَمْ أَرْدَتْ وَعَنِ الْمُسَابَقَةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَضْعَفَتْ، وَاحْذَرُوا التَّسْوِيفَ وَالْكَسَلَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحمْكُم اللهُ.

خطبة شكر نعمة التقنية والحذر من فتنتها – د. عبدالعزيز الريس – ط


شارك المحتوى:
0