خطبة: الخليفة الأول


الحمد لله الذي بعث نبيه محمداً  صلى الله عليه وسلم  في خير القرون، واختار له من الأصحاب أكمل الناس عقولاً وأقومهم ديناً وأغزرهم علماً وأشجعهم قلوباً، قوماً جاهدوا في الله حق جهاده فأقام الله بهم الدين وأظهرهم على المشركين والكافرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً .

أما بعد: فإن قراءة سيرة الصحابة والإقتداء بهم، نهجٌ غفل عنه البعض وطواه النسيان عند آخرين. ومعرفة سيرتهم وفضائلهم سببٌ لمحبتهم وتقرب إلى الله بذلك، وقد قال الرسول  صلى الله عليه وسلم : المرء مع من أحب  [رواه مسلم]. ويتأكد الفضل والخير في الخلفاء الأربعة لسابقتهم في الإسلام وبلائهم وجهادهم، عن مسروق أنة قال: ” حُبُّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة “، وقيل للحسن: حب أبي بكر وعمر من السنة؟ قال: ” لا، بل فريضة “.
وقد ذكر ابن الجوزي: ” أن السلف كانوا يُعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السور من القرآن “. وعلى هذا يتأكد بيان علم الصحابة ودينهم وفضائلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” وأما الخلفاء الراشدون والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان، والإسلام، والقرآن، والعلم، والمعارف، والعبادات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلو كلمة الله، فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلّغوا الدين وجاهدوا في سبيل الله. وكل مؤمن آمن بالله، فللصحابة رضي الله عنهم الفضل إلى يوم القيامة، وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدنيا والدين من سائر الصحابة، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبية وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم “.
وقد أثنى الله عليهم ورسوله ورضي عنهم وأعد لهم الحسنى في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾

و صحَّ عن رسول الله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم  أنه قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» .

فاتقوا الله  عباد الله : واعرفوا ما مَنَّ الله به على

نبيكم محمد  صلى الله عليه وسلم  من الصحابة الكرام ذوي الفضائل العديدة والخصال الحميدة وكان أجلُّهم قدراً وأعلاهم فخراً أبو بكر الصديق رضي الله عنه (عبد الله بن عثمان) «فما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين خير من أبي بكر رضي الله عنه».

وابوبكر عبد الله بن عثمان ، وعثمان هو اسم أبي قحافة، ولد أبو بكر بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر. وكان تاجراً من تجار قريش، وهو أول من أسلم من الرجال. وقد وصفة الرسول  صلى الله عليه وسلم  بالصديق، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه  قال: صعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أُحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال:  اثبت أحداً، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان [رواه مسلم].
وهو أول من دعا إلى الله من الصحابة فأسلم على يديه أكابر الصحابة، منهم: خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم أجمعين .

وقد قال عنه الرسول  صلى الله عليه وسلم :  إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وذات يده أبو بكر [رواه الترمذي]. وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه. وعن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر [رواه أحمد]. فبكى أبو بكر وقال: ” وهل أنا ومالي إلا لك يارسول الله “. وإنفاق أبي بكر هذا كان لإقامة الدين والقيام بالدعوة فقد أعتق بلالاً وعامر بن فهيرة وغيرهما كثير.
جاء مرة إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال: «يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب – يعني: عمر – شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى فأقبلت إليك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر ثم إن عمر  رضي الله عنه ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل أثَمَّ أبو بكر ؟ قالوا: لا، فجاء إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  فسلم فجعل وجه النبي  صلى الله عليه وسلم  يتمعر حتى أشفق أبو بكر أن يقول النبي  صلى الله عليه وسلم  لعمر ما يكره فجثا رضي الله عنه على ركبتيه فقال: يا رسول الله، واللهِ أنا كنت أظلم، واللهِ أنا كنت أظلم، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  مُعْلِناً فضل أبي بكر: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين، فما أوذي بعدها رضي الله عنه بعد ذلك».

وكان رضي الله عنه أثبت الصحابة عند النوازل وأشدهم قلباً، ففي صلح الحديبية لم يتحمل كثير من الصحابة  رضي الله عنهم  الشروط التي وقعت بين النبي  صلى الله عليه وسلم  وبين قريش، حتى إن عمر وهو عمر  رضي الله عنه  راجع النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، فذهب عمر إلى أبي بكر  رضي الله تعالى عنه  يستعين به على مشورة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فكان جواب أبي بكر  رضي الله تعالى عنه  كجواب النبي  صلى الله عليه وسلم  ثم قال أبو بكر  رضي الله تعالى عنه لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أيها الرجل، إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بِغَرْزِهِ، فو اللهِ إنه على الحق.

ولما توفي النبي  صلى الله عليه وسلم  اندهش المسلمون لذلك حتى قام عمر  رضي الله تعالى عنه  وأنكر موته وقال: واللهِ ما مات رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وليبعثن الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، وكان أبو بكر  رضي الله تعالى عنه  بمنزله بالسنح ، فلما بلغه الخبر رجع إلى المدينة فكشف رضي الله تعالى عنه عن رسول  صلى الله عليه وسلم  فقبَّله فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حياً وميتاً، ثم خرج إلى الناس فصعد المنبر فخطب الناس بقلب ثابت وقال كلماته المشهورة ألا من كان يعبد محمداً  صلى الله عليه وسلم  فإن محمداً  صلى الله عليه وسلم  قد مات ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تجعلنا ممن اتبعوهم بإحسان، وأن تحشرنا في زمرتهم وأن تجمعنا بهم في جنات النعيم يا ذا الجلال والإكرام، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كَرِهَ ذلك من أشرك به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب ومعشر، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا الصباح وأنور، وسلَّم تسليماً كثيراً .

أما بعد: كان أبو بكر خليفة رسول الله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم  في أمته بإشارة منه  صلى الله عليه وسلم  أو بنصٍّ صريح كما ذهب إلى ذلك طائفة من علماء أهل السنة، ففي صحيح البخاري: «أن امرأة أتت إلى النبي  صلى الله عليه وعلى آله وسلم  في حاجة فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن لم أجدك ؟ كأنها تريد الموت، قال: فأتي أبا بكر» وهَمَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب كتاباً لأبي بكر حتى لا يختلف الناس في خلافته ثم قال: «يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» وهذا أشد وقعاً من الكتاب؛ لأنه لو كتب له لكانت خلافته بنصٍّ من الرسول  صلى الله عليه وسلم  ينقاد لها المسلمون بكل حال ولكن لما كانت خلافته بإجماع المسلمين وكان ذلك بإشارة من رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كان ذلك أشد وأوطد .

خلفه النبي  صلى الله عليه وسلم  على الناس في الصلاة فصار إماماً للمسلمين فيها .

وأمَّره النبي  صلى الله عليه وسلم  على المسلمين في الحج في السنة التاسعة من الهجرة كل هذا إشارة منه  صلى الله عليه وسلم  إلى أن أبا بكر  رضي الله عنه  هو الخليفة من بعده صلى الله عليه وسلم، ولو كان أحد يستحق الخلافة بعد النبي  صلى الله عليه وسلم  سوى أبي بكر لخلَّفه النبي  صلى الله عليه وسلم  في الإمامتين: إمامة الصلاة وإمامة الحج؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «لا يطعن في خلافة الصديق وسائر الخلفاء الأربعة لا يطعن فيها أحد إلا كان أضل من حمار أهله» .

«تولى أبو بكر  رضي الله تعالى عنه  الخلافة بعد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فسار في الناس سيرة حميدة، فبارك الله في مدة خلافته على قلتها فقد كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم كُن لإخواننا المُستضعَفين في دينِهم في سائر الأوطان، اللهم كُن لهم ولا تكُن عليهم، اللهم انصُرهم على من بغَى عليهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل شأنَ عدوِّهم في سِفال، وأمرَه في وَبال يا حي يا قيوم ، اللهم اللهم رد كيده في نحره و اجعل تدبيره تدميرا عليه اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال و الإكرام اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا و ولاة أمورنا و اجعل ولايتنا في من خافك و اتقاك و اتبع رضاك يا رب العالمين ، اللهم من أرادنا وشبابنا ونساءنا و علمائنا و ولاة أمرنا و جنودنا بسوء اللهم رد كيده في نحره و اجعل تدبيره تدميرا عليه يا سميع الدعاء اللهم اهتك ستره اللهم اهتك ستره واكفناه بما تشاء إنك أنت القوي العزيز.

اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين،

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون


شارك المحتوى:
0