حين جعلني الرجل أستحيي من ربي !!


حين جعلني الرجل أستحيي من ربي!!

دخلت المسجد يوماً لصلاة الفريضة وأنا أحمل شيئاً من الهموم، كعادة بني آدم في دروب الحياة:
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنتَ تُرِيدُهَا
صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا
مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

وكلام الله أعلى وأجل؛ إذ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، أي في شدة ومشقة.

دخلت المسجد وأنا أحمل همي فإذا الذي أمامي يصلي بقدم طبيعية واحدة، وقدمه الأخرى صناعية، يجاهد بجسد منهك في القيام والركوع والسجود، لا تكسره العوارضُ، ولا تُلين عزمَه المصائبُ.

حينها هانَ عَلَيَّ -مباشرة- ما كنت أجده، واستصغرت همي عند مصاب أخي!!
ثم حمدت الله على عافيته، وأكملت الصلاة وأنا في غمرة من الحمد والشكر والثناء على عظيم النعم وجزيل المنن من الرب سبحانه وتعالى، مستحضراً قول النبي ﷺ: «انظُروا إلى مَنْ هوَ أسفَلَ مِنكُم ولا تَنظُروا إلى مَنْ هوَ فَوقَكُم؛ فَهوَ أجدَرُ أن لا تَزدَروا نِعمةَ اللَّهِ عَلَيكُم» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ).

قال ابن القيم رحمه الله في علاج المبتلى: «ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل وادٍ بنو سعد [أي مبتلى]، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة؟! ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة؟! وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل؛ إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن متعت قليلاً كدرته كثيراً، وإن سرت يوماً ساءت دهراً، ولا سرتك بيوم سرور إلا خبأت لك يوم شرور».

لكن هل انتهت قصتي مع الرَجُل؟ كلا، بل بدأت القصة الحقيقية!!

بدأت حين التفتَ إلَيَّ، فكانت الصاعقة على قلبي، هزت أركاني، وأمطرت أجفاني، وأيقظتني من رقدة شيطاني، وحينها خجلت في نفسي واستحييت عظيم الحياء من ربي!

يا إلهي ماذا أرى!! لقد أقبل عَلَيَّ يتكفأ ليس برِجْل واحدة فقط، بل أقبل وهو يتهادى بيدين مبتورتين!!

يا إلهي ياربي يامولاي ثلاثة أطراف مبتورة!!

ومع ذلك كله أقبل عليَّ وهو يتمتم بحمده وشكره واستغفاره بعد صلاته!!

فيا لله! كم أنعمت عَلَيَّ!!
وكم تفضلت!!
وكم وهبت!!
وكم أعطيت!!
وكم وكم!!
وما عبدتك حق عبادتك،
وما شكرتك حق شكرك،
وما قدرت نعمك عَلَيَّ حق قدرها.
فاغفر لي، واعف عني ، وتجاوز،
إنك أنت الغفور الرحيم.

قال أبو عبد الرحمن المغازلي: «دخلت على رجل مبتلى بالحجاز، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجد عافيته أكثر مما ابتلاني به، وأجد نعمه عَلَيَّ أكثر من أن أحصيها!».

ولما قُطعت رجل عروة بن الزبير، أُغمي عليه، فلما أفاق جاءه خبر مصرع أحد أبنائه، فقال: «اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، ولئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت». انتهى.

إن من أعظم نعم الله على العبد ليست (كثرة ما يملك)، وإنما أن يرزقه الله قلباً يعرف (عظيم قدر ما يملك)، ثم يملأ قلبه ولسانه وجوارحه حمداً وشكراً لربه المنعم المتفضل عليه.

فيا أيها المَهمومُ المبتلى، إذا ضاقت بك الدنيا، فلا تهلك نفسك بالبكاء على مَفقودٍ، بل تأمل عظيم فضل الله عليك في المَوجودِ؛ وستجد حينها أن ما تعانيه مهما بلغ ما هو إلا (كومة صغيرة) من الهموم والرزايا بالنسبة لـ(جبال عظيمة) من الهبات والعطايا، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]

قال ابن القيم رحمه الله في بيان ما يعين المبتلى: «أن يعد نعم الله عليه وأياديه عنده، وأن يذكر سوالف النعم التي أنعم الله بها عليه فإن عجز عن عدها وأيس من حصرها، هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنسبة إلى أيادي الله ونعمه كقطرة من بحر».

فاللهم بارك لنا في
أسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا،
واجعلنا شاكرين لنعمك،
مثنين بها عليك، قابليها،
وأتممها علينا،
واهدنا سبل السلام،
وأخرجنا من الظلمات إلى النور،
وجنبنا الفواحش
ما ظهر منها وما بطن،
يا رب العالمين.

كتبه أخوكم/
حمد بن عبد العزيز العتيق
الجامعة الإسلامية
بالمدينة النبوية، حرسها الله.


شارك المحتوى:
0