حصل خلاف في الترحم على موت الممثل عبد الحسين بن عبد الرضى، فما رأيك؟


يقول السائل: حصل خلافٌ في الترحم على موت الممثل عبد الحسين بن عبد الرضى، فما رأيك؟

الجواب:

إنَّ القضية أكبر مِن أن يُتكلَّم على الترحم على فلان أو فلان بعد موته، وقد رأيتُ خلطًا وخبطًا حصل مِن بعض المسلمين، وأريد أن أذكر بعض الأمور لعل الله أن ينفع بها وهو أرحم الراحمين:

الأمر الأول:هذا الممثل ليس جُرمُه فقط في الاختلاط ومشاهد السوء التي فعلها في مشاهده وتمثيله، بل المسألة أكبر مِن ذلك، هذا الرجل في مقطع موجود في اليوتيوب -صوت وصورة- وقد وثَّقته في قناتي بالتلقرام، سَخِرَ بنبي الله آدم، واستهزأ بربنا سبحانه! بربنا الذي لا إله إلا هو، بجبار السماوات والأرض! بربك الذي ترجو رحمته وتخشى عذابه، وتعلم أنَّ الفلاح في الدنيا والآخرة بإرضائه، قد سخر به! وسخر بنبي الله آدم -عليه السلام- فبالله عليكم هل يطيب لأحد أن يلين قلبه لرجلٍ كهذا؟

إنه والله لو سخر رجل بآبائنا القريبين أو بنسبنا، أو بأهلنا، لغضبنا غاية الغضب، فكيف وهو يسخر بربنا سبحانه؟

وأنت ترى كثيرًا يغضبون إذا سُخِرَ ببلدهم ووطنهم، وحُقَّ لهم إذا كان الكلام بغير حق ولا فائدة منه، لكن في المقابل في مثل هذه المواقف يضعفون، ينبغي أن نكون أهل عقل ودين.

الأمر الثاني:بعضهم يقول: بما أنَّ الرجل مات انتهى أمره، ولا يصح أن يُتكلَّم في الرجل بعد موته، ويُغتفَر ما مضى …إلخ، وهذا خطأ شرعًا وعقلًا، أما شرعًا: فقد ثبت في الصحيحين مِن حديث أنس -رضي الله عنه- أنهم مروا بجنازة فسأل النبي ﷺ عنها فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجبت» أي وجبت له النار، ولم يُنكر النبي ﷺ على هؤلاء الناس لما أثنوا عليه شرًّا بعد موته، لم يجعل الموت مانعًا مِن القدح فيه، وهذا الذي درَج عليه أهل العلم، فهم يتكلمون في أموات قد ضلوا، كالجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، ورؤوس الأشاعرة الضلال، ورؤوس المعتزلة، إلى غير ذلك، إذن الموت ليس مانعًا شرعًا مِن الكلام في الرجل، وليس مُبرِّئًا له.

أما مِن جهة العقل: فلو أنَّ الرجل اعتدى عليك وضربك وآذاك وأفسد عليك دنياك وقتل أمك وأباك، لك حق أن تُبغضه، لكن هل يُقال إنه بعد موته تنتهي هذه البغضاء؟ وينتهي قدحك فيه؟ هذا لا يصح عقلًا ولا يقوله أحد، فكيف إذن إذا كان الأمر معلقًا بالرب سبحانه وبنبيه آدم -عليه السلام-؟

ثم هؤلاء القوم متناقضون، وبعضهم لا يرضى أن تُثني على أسامة بن لادن -هذا الخارجي الضال- بحجة أنه مات فيُغتَفر ما مضى، كلا، قد تكلموا عليه في جميع الوسائل الممكنة، وبعضهم لا يرضى أن تُثني على صدام حسين بعد موته -هذا الضال الهالك- وتراهم يتكلمون عليه في كل مقام، وبعضهم لا يرضى أن تُثني على بعض الحكام الذين ماتوا، إذا ذكرت له الحاكم الفلاني والحاكم الفلاني بعد موته يتشفَّى به، إلى غير ذلك، يعني هم متناقضون، فمثل هذا لا يصح لا شرعًا ولا عقلًا، وأصحابه متناقضون.

الأمر الثالث:بعضهم يقول: وما يدريك قد يكون قد تاب، أنا عن نفسي أرجو الله سبحانه كل كافر وكل ضال قد تاب قبل موته، لكن هذا شيء وأحكام الدنيا شيء آخر، فإنَّ مِن الأصول المهمة أن يُفرَّق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، في أحكام الدنيا مَن كان كافرًا يهوديًّا أو نصرانيًّا إذا مات لا يُترحَّم عليه، لأنه يهودي كافر، ولأنه نصراني كافر، ولا يُقال: وما يدريك على ماذا مات؟ بل يُعامَل بظاهره إلا أن يتبيَّن خلافه، وكذلك مَن أشهر الفسق والضلال أو غير ذلك فإنه يُعامَل بظاهره ولا يُقال وما يدريك لعله قد تغير.

والقاعدة الشرعية: أنَّ مَن أظهر ضلاله لا تُقبل توبته إلا بأن يُظهِر خلاف ذلك، كما قال سبحانه: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160].

الأمر الرابع:حاول الليبراليون أن يستغلوا هذا الحدَث في ذم الدعوة للكراهية إلى غير ذلك، والليبراليون هم مِن أفشل الناس في المجتمع الإسلامي بصفة عامة، ولاسيما في مجتمع متدين كالشعب السعودي، ويحاولون أن يستكثروا الناس معهم بأي طريقة، لذا مثلًا قد تجد مِن المسلمين في السعودية أو غير السعودية يدعو إلى شيء مِن الشهوات بدافع النزعة الشهوانية، فيحاول الليبراليون أن يُدخلوا هؤلاء في صفوفهم حتى يُكثروا أنصارهم، وأن يستفيدوا مِن ذلك أنَّ منهجهم أثَّر على الناس، وهذا خطأ وكذب وضلال وبهتان، فإنَّه لا يزال كثير مِن المسلمين متلبسين بالشهوات، يتوبون تارة ويزلون تارة وقد يستمرون، ومثل هذا قبل أن يوجد هؤلاء الليبراليون في القرون الماضية، وهكذا، فيتوب منهم من يتوب ويبقى مَن يبقى، لاسيما في أمور الشهوات.

فالمقصود أنه لا يصح أن يُجيَّر هؤلاء في صف الليبراليين ولا يُقال إنَّ الليبراليين أثروا عليهم، بل هم أقل مِن أن يفعلوا ذلك بقوة الله القوي العزيز، لكن الليبراليين يحاولون أن يستغلوا مثل هذه الأحداث، يقولون: انظر إلى دعوتهم للكراهة، يقال: تقدم أنَّ مَن آذاك في نفسك …إلخ لك حق أن تكرهه، فكيف إذن مَن آذاك في ربك ونبي الله آدم -عليه السلام-؟ فأولى وأولى أن يُكرَه.

ثم الليبراليون أنفسهم كانوا دعاة ثورة، وتركي الحمد كان مِن دعاة الثورة في الربيع العربي، وقد وثَّقت هذا في حسابي في أكثر مِن تغريدة له، ودعاة الثورة هم دعاة الكراهية والفساد؛ لأنهم يشحنون النفوس على الحكام ثم بعد ذلك تنفلت الأمور ويقتل الناس بعضهم بعضًا، فهم أحق بوصف دعاة الكراهية، وهم مَن يخالفهم يكرهونه ويُنابذونه ويُناطحونه، فإذن يحاول الليبراليون التلاعب بمصطلح الكراهية، فإذا كانوا يريدون أن يجعلوا مصطلح الكراهية منضبطًا بأهوائهم أو أفكارهم الدخيلة فجعلها منضبطة بشرع الله الذي خلقنا لعبادته، ومِن عبادته أن نكره وأن نبغض ما يأمرنا بكرهه وبغضه، وأن نُحب ما يأمرنا بحبه، قال سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22] هذا كلام الله رب العالمين سبحانه، والمُحادَّة ليست خاصة بالكفر، بل بالبدعة وغير ذلك كما بيَّنه أهل العلم.

فلنكن فطنين وألا نجعل لليبراليين مدخلًا في أمثال هذه الأمور.

الأمر الخامس:استغلال الحركيين لهذا الحدَث، يحاول الحركيون أن يستغلوا الأحداث، فيما مضى كانوا أشد الناس دعوة لعداوة الرافضة، بل حصل عندهم غلو في ذلك حتى سوَّغوا الاعتداء عليهم في أموالهم وفي التفجير عندهم، إلى غير ذلك، واليوم يحاولون أن يقلبوا الأمر وأن يُغيروه لمصلحة حزبهم لما رأوا الهجوم شديدًا عليهم، ويحاولوا أن يخرجوا أمام الناس بأنهم وِدِّيــُّون وأهل طيبة، إلى غير ذلك.

لكن وإن كان سيُخدَع طائفة، لكن هناك كثيرين مِن العامة قد تنبَّهوا فضلًا عن طلاب العلم، فنبئوني عن مواقف ناصر العمر وغيره مِن الحركيين في أمثال هذه الأمور؟ أما سلمان العودة فهو متناقض، يعني يقول في تغريدة له: دعوا الخلق للخالق. إذا كان الأمر كذلك فأين أنت عن هذه القاعدة في البعد عن الحكام والتكلم عليهم ما بين حين وآخر؟ لمَ لا تقول دعوا الخلق للخالق؟ هذا مِن التناقض البيِّن وما أكثرَ تناقضاته، بل الحمد لله نبذه كثير مِن الناس وهذا مِن فضل الله، فلذا الحركيون يحاولون أن يستغلوا مثل هذه الأحداث.

وسمعت مقطعًا لبعضهم يريد أن يتكلم بالعلم يقول: إنَّ في تكفير الرافضة قولين لأهل العلم. يُقال: إذن هناك قول يُكفِّرهم، فلا تُشدد على مَن يُكفِّر، إذن أنت بنفسك قرَّرت بأنَّ التكفير قول سائغ فلا يُشدَّد فيه، فإذن لا تُشدِّد على غيرك، لكن ينبغي أن تعلم أنت أو غيرك أنَّ مَن لم يُكفِّر سبابة الصحابة سواء كانوا رافضة أو شيعة أو أي طائفة مِن الطوائف، فمَن لم يُكفرهم فهو يراهم مبتدعة، فإذا كان يراهم مبتدعة فالكتاب والسنة وفعل سلف هذه الأمة قد دلَّ على التشديد على أهل البدع أكثر مِن غيرهم، إذا كنت تتكلم بمنطلق العلم.

روى أبو نعيم في كتابه (الحلية) أنَّ الفضيل بن عياض قال: آكل مع اليهودي والنصراني ولا آكل مع المبتدع، فإني إن أكلت مع المبتدع اقتُديَ بي. يعني يحصل الاغترار به أكثر مِن غيره، فإذا كنت تتكلم بلغة العلم، بل العلماء متنازعون في تعزية الكفار، لكنهم في المقابل مجمعون على هجر أهل البدع وعدائهم واحتقارهم، كما حكاه أبو عثمان الصابوني، وقبل ذلك الإمام أحمد والرازيان، وغيرهم مِن أهل العلم، وكلامهم كثير في هذا.

فإذن لا يصح أن تتلاعب بالعلم، واعلم أنك وإن تلاعبت بالعلم وصفَّق لك مَن يُصفِّق، لكن هناك رب العالمين يعلم ما تُخفي السرائر، ويعلم حقيقة الحال وهو ناصِرٌ لدينهِ وأغيَر على دينهِ سبحانه.

وأخيرًا أُقدِّم نصحًا للعامة: اتقوا الله ولا تغلبنَّـكم العواطف، حتى ولو كنت شهوانيًّا ترغب أمورًا مِن الاختلاط وغير ذلك فاتقوا الله أن تكون داعيةً له، فرقٌ بين أن تفعله وأن تدعو إليه، إن دعوتَ إليه وضممتَ صوتك إلى غيرك في الدعوة إلى الحفلات السنمائية وإلى الاختلاط وغير ذلك مِن المحرمات فإنك تأخذ أوزار كل مَن عمل به، ووالله وتالله وبالله إنك ميت، كلنا ميتون، كل نفس ذائقة الموت، وما أسرع ذهاب السنين والأعمار، وتفكَّر ذلك في عمرك الآن كم مضى منه سريعًا، ولا تدري كم بقي، ولو عُمِّرت إلى ثمانين سنة ما أسرع ذهابها، بل ستبقى وزرًا عليك، فإنَّ الناس كلما تابعوك على هذا الباطل فعليك وزرهم.

فاتقوا الله، قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

478_1


شارك المحتوى:
0