« حرارة الصيف ذكرى وتذكير »
محمد بن سليمان المهوس /جامع الحمادي بالدمام
10/2/ 1448
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَاهِرَةِ، وَدَلَائِلِ قُدْرَتِهِ الظَّاهِرَةِ، اخْتِلَافُ الْفُصُولِ، وَتَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَقَلُّبُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، قَالَ تَعَالَى﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [ آل عمران : 190 ]
وَالْمُؤْمِنُ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا ظَاهِرَةٌ عَابِرَةٌ تَجْتَاحُ الْعَالَمَ فَحَسْبُ، بَلْ يَرَاهَا آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، تَدْعُوهُ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّذَكُّرِ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَعَظَمَتِهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» [ متفق عليه ]
وَأَيْضًا تَدْعُو الْمُؤْمِنَ إِلَى مُرَاجَعَةِ نَفْسِهِ، وَتَذَكُّرِ الْيَوْمِ الْآخِرِ الَّذِي تَدْنُو فِيهِ الشَّمْسُ الْحَارَّةُ الْحَارِقَةُ مِنْ رُءُوسِ الْخَلَائِقِ؛ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ : « «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ».
قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؛ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟
قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا»
قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.
وَحَرَارَةُ الدُّنْيَا مَهْمَا اشْتَدَّتْ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – فَإِنَّهَا إِلَى زَوَالٍ، أَمَّا حَرَارَةُ الْآخِرَةِ فَلَا يُطِيقُهَا أَحَدٌ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي حَرَارَةِ الشَّمْسِ الْحَارِقَةِ تَبْرُزُ قِيمَةُ التَّوْحِيدِ وَالْعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ لَدَى الْعَبْدِ؛ فَيَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَهُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ الْأَيَّامَ وَالشُّهُورَ، وَيَطْوِي الْأَعْوَامَ وَالدُّهُورَ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ، قَالَ تَعَالَى : ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]
فَيَزِيدُهُ تَوْحِيِدُهُ صَبْرًا وَاحْتِسَابًا، وَعَمَلًا بِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ مِنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَقُولُ كَمَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ:
«اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ».
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا اسْتَجَارَ عَبْدٌ مِنَ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ، إِلَّا قَالَتِ النَّارُ: يَا رَبِّ، إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا قَدِ اسْتَجَارَكَ مِنِّي، فَأَجِرْهُ، وَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ عَبْدٌ الْجَنَّةَ فِي يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ، إِلَّا قَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ، إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا سَأَلَنِي، فَأَدْخِلْهُ»
[ صححه الألباني في السلسلة الصحيحة ]
اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ، وَوَالِدَيْنَا، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ حَرَارَةَ الشَّمْسِ الْحَارِقَةِ تُذَكِّرُنَا بِقِيمَةِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا؛ لِنَشْكُرَ رَبَّنَا عَلَيْهَا ،وَنَحْذَرَ الْإِسْرَافَ فِيهَا كَنِعْمَةِ الْمَاءِ الْبَارِدِ، وَنِعْمَةِ التَّكْيِيفِ الَّذِي يَقْلُبُ الصَّيْفَ شِتَاءً، وَالشِّتَاءَ صَيْفًا فِي الْمَنْزِلِ، وَالْمَسْجِدِ، وَالسَّيَّارَةِ، وَالْعَمَلِ، وَنِعْمَةِ الظِّلِّ الظَّلِيلِ، وَاللِّبَاسِ الَّذِي يُنَاسِبُ كُلَّ وَقْتٍ؛ قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ [النحل: 81].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمَعَ هَذِهِ الْأَجْوَاءِ الْحَارَّةِ نَتَذَكَّرُ إِخْوَانًا لَنَا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ الصَّفِيحِ وَالْخِيَامِ وَالْقَشِّ، الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ مَا نَمْلِكُ مِنْ هَذِهِ الْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ، وَإِنْ مَلَكُوهَا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَمَلِهَا مِنْ أَمْوَالٍ ، وَنَحْنُ فِي بِلَادِنَا وَبَيْنَ أَبْنَائِنَا نَنْعَمُ بِنِعَمِ اللَّهِ الَّتِي لَا تُحْصَى ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى وَالنَّبِيِّ الْمُجْتَبَى، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ الْأَعْلَى :
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [ الأحزاب : 56 ]
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَانْصُرْ جُنُودَنَا، وَأَيِّدْ بِالْحَقِّ إِمَامَنَا وَوَلِيَّ أَمْرِنَا، خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلَ سُعُودٍ، اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ بِتَوْفِيقِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِتَأْيِيدِكَ، وَكُنْ لَهُمْ مُعِينًا وَنَاصِرًا، وَجَمِيعَ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
