بعض الرافضة يقول إن أول من أمر بالاحتفال بعيد النيروز هو معاوية -رضي الله عنه- فيما نقله الذهبي، هل هذا صحيح؟


يقول السائل: كما تعرفون أنه يُحتفَل في هذه الأيام بما يسمى عيد نيروز في بعض بلاد إيران وأذربيجان وجورجيا، وغيرها، وقد بيَّن طلبة العلم في دروسهم أنَّ هذا لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هو عيد المجوس وأبناء المجوس اليوم، ولكن الرافضة في بلدنا جاؤوا بالرواية من الزبير بن بكّار بأنَّ أول من أمر بالنيروز هو معاوية -رضي الله عنه- ونشروا هذه الشبهة بين أهل السنة، وفعلًا قد نقل الذهبي عن الزبير هذه الرواية في السير، أرسل لكم هذه الرواية وأرجو منكم الجواب على ذلك.

الجواب:

إنَّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، والنَّيروز (بفتح النون) كلمة فارسية مُعرَّبة، وأصلها في الفارسية: نَوْروز، وهي لفظة مُركَّبة من كلمتين أولها (نَوْ) بفتح النون، ويُقال (نُو) بضم النون، ومعناها الجديد، وثانيهما (رُوز) ومعناها اليوم، فمعنى النيروز: اليوم الجديد، وهو عيد من أعياد الفرس ويُعدُّ أعظم أعيادهم، ويُقال إنَّ أول من اتَّخذه (جمشيد) أحد ملوك الفرس الأوائل، ويُقال فيه: (جمشاد)، هذا أصل هذا العيد.

فأصل هذا العيد كما تقدم أنه عيدٌ مِن أعياد الفرس الكفار، أردت بهذا أن يعرف الإخوة الذين لا يعرفون حقيقة هذا العيد أنَّ أصله عيدٌ مأخوذٌ من الكفار، والأعياد من حيث الجملة سواء أُخذت من الكفار أو أحدَثها المسلمون، هي محرمة ولا يوجد في الشريعة إلا عيدان اثنان: عيد الفطر وعيد الأضحى.

ويدل لذلك ما أخرج أبو داود والنسائي من حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قدِمَ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما، عيد الفطر وعيد الأضحى»، وقد صحح الحديث الحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية.

فهذا دليل على أنَّ الأعياد محرمة، ولا يجوز في الشريعة إلا عيدان، فمن اتَّخذ عيدًا زائدًا على هذا فقد وقع في أمرٍ محرم، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بحث في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم).

ثم إذا تعبَّد بهذا العيد فقد انضاف إلى ذلك أمرٌ آخر، وهو الابتداع، أي يكون محرمًا لأمرين:

الأمر الأول: لأنه عيد.

الأمر الثاني: للابتداع.

وهذا في كل عيد، سواء كان العيد خاصًّا بالكفار كالنيروز، أو عيد الكريسماس، أو في الأعياد التي أحدَثها المسلمون كالعيد الوطني، أو عيد الميلاد، أو عيد الزواج، أو غير ذلك.

ثم قد يوجد في الأعياد أشياء أُخَر يزيدُها محظورًا ومنعًا، فمما قد يوجد فيها أن تكون الأعياد عبارة عن أعياد دينيَّة كالكريسماس، فمثل هذا يزيدها حُرمة، وقد يكون في الأعياد أمور تزيدها منعًا كأن يكون فيها تشبُّهٌ بالكفار، كعيد النيروز، فقد ثبت عند أحمد وأبي داود من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن تشبَّهَ بقومٍ فهوَ مِنهم».

أردتُ بهذا أن يُعرَف أنَّ هذه الأعياد لا تصح في الشريعة وأنها مُخالفةٌ للشريعة.

وأما ما ذكره السائل من أنَّ الرافضة في بلادهم أخذوا ينشرون أنَّ الزبير بن بكَّار روى أنَّ معاوية -رضي الله عنه- أول مَن أمرَ بالنيروز، فمِن نعمة الإسلام أنَّه وُجد في الروايات عن النبي ﷺ وصحابته الإسناد، فلولا الإسناد لقال من شاء كيفما شاء، لذلك بالإسناد حُفِظ الدِّين، وهذه من خصائص أمة محمد ﷺ، وقد حفظ الله ديننا بالإسناد.

وما ذكروه عن الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) أنه نقل ذلك عن الزبير بن بكار هو صحيح وموجود في كتاب الذهبي، بل موجود في كتاب (الاستيعاب) لابن عبد البر.

لكن ابن عبد البر والذهبي -رحمهما الله تعالى- قد اعتمَدوا في ذلك على روايةِ الزبير بن بكَّار، ونسبوهُ إلى الزبير، وهم بنسبتهم للزبير كأنما يقولون: إنَّ هذه الرواية لا تصح؛ لأنَّ الزبير بن بكَّار -رحمه الله تعالى- لم يُدرِك زمنَ معاوية -رضي الله عنه-، فروايته عنه روايةٌ غيرُ متصلة، بل مرسلة، وذلك أنَّ الزبير بن بكَّار وُلد في السنة الثانية والسبعين بعد المائة، وعُمِّر أربعًا وثمانين سنة، فتوفي في السنة السادسة والخمسين بعد المائتين، كما يُعرَف هذا بالنظر في كتاب (تاريخ الإسلام) للذهبي، وأيضًا في مراجعة كلام الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) و(تقريب التهذيب)، لاسيما في (التقريب) فقد بيَّن أنه توفي في هذه السنة.

فإذا تبيَّنَ هذا، ومعاوية -رضي الله عنه- توفي في السنة الستين، فيكون بينهما من السنين ما يقرب من مائة سنة، بل أكثر من ذلك، فمثل هذا لا تُقبل روايته.

فإن قيل: كيف لا تُقبل روايته وقد ذكره الذهبي وقبله ابن عبد البر؟

فيقال: إنَّ عند العلماء قاعدة: أنَّ مَن أسندَ فقد أحالَك، وبعبارة أخرى: فقد برِئ، وقد ذكر هذه القاعدة ابن عبد البر نفسه في أوائل كتابه (التمهيد)، وذكرها العلائي في كتابه (جامع التحصيل) والسيوطي في كتابه (تدريب الراوي).

فهم قد أسندوا وأحالوا على الزبير بن بكَّار، فكأنه يقول: إنكم تعلمون أنَّ الزبير بن بكَّار لم يُدرِك معاوية، وأنَّ بينه وبين معاوية أكثر من مائة سنة، ولكن أذكر هذا من باب الرواية، و في عموم كتب التاريخ والترجم (كالسير) و(الاستيعاب) يُذكر كل ما في الباب، وقد يُبيِّن الضعف وقد لا يبين، وقد يُشير إليه وقد لا يُشير إليه، ومِن الإشارات أن يُذكر السند ويكون السند منقطعًا وبينه وبين الراوي مسافات من الزمن وقد تبلغ مائة سنة وأكثر، كما في هذه الرواية.

فالمقصود أنه بهذا يتبيَّن أنَّ النِّسبة إلى معاوية -رضي الله عنه- لا تصح، ولولا رحمة الله ثم إنَّ عبد البر والذهبي بيَّنوا أنَّ الذي ذكر ذلك الزبير بن بكَّار لبقينا في حيرة، إذ قد نظنّ أنَّ هناك إسنادًا متصلًا لها، لكن لمَّا لم يذكروا إلا أنَّ الذي ذكرها هو الزبير بن بكَّار، فهم أفادونا فائدةً عظيمةً أنَّ هذه الرواية لا يصح الاعتماد عليها.

وفي الختام: أنصح إخواني المسلمين مِن أهل السنة في بلاد إيران وأذربيجان وجورجيا وغيرها من بلاد الكفار أو المسلمين، أن يتَّقوا الله عز وجل، وألَّا يحتفلوا بهذه الاحتفالات التي عُرِف بها الكفار، والتي ليست من أعياد المسلمين.

وليعلموا أنَّ الاحتفال بالأعياد كلها محرم إذا لم يكن عليها دليلٌ من كتاب الله ولا سنة النبي ﷺ، فضلًا عن أن تكون أعيادًا قد اختصَّ بها الكفار وأصلُها مأخوذ منهم ، كهذه الاحتفالات، وأشدُّ من ذلك الاحتفال بالأعياد التي فيها شعارات أو فيها الدلالات على الكفر، كعيد الكريسماس الذي فيه الإقرار للصليب وأنَّ عيسى -عليه السلام- قد صُلِب، إلى غير ذلك من العقائد الباطلة.

أسال الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

388_1


شارك المحتوى:
0