النبيُّ ﷺ لم يحج على الفور، فما توجيهه؟


يقول السائل: النبيُّ ﷺ لم يحج على الفور، فما توجيهه؟

الجواب:

إنه لا يُسلَّم بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يحج على الفور، بل إنَّ الحجَّ فُرِضَ متأخرًا كما بيَّن هذا ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) ثم ابن القيم -رحمه الله-، ويدل لذلك أنَّ الأمر في الحج إنما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] وهذه الآية إنما فُرِضت متأخرًا؛ لأنها كانت في قصة وفد نصارى نجران، وهؤلاء إنما جاؤوا متأخرين.

أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] فهذه في إيجاب الإتمام لا في إيجاب الابتداء، بخلاف قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] إذن لا يُسلَّم بأنَّ الحجَّ فُرِضَ مُبكِّرًا وأخَّره النبي ﷺ.

ولو قُدِّر أنَّ الحجَّ فُرِضَ مبكِّرًا، فإنَّ النبيَّ ﷺ ترَكهُ لعذرٍ، ومَن أخَّر الحجَّ لعذرٍ فهو غيرُ مُلام، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) وبيَّنه ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (زاد المعاد).

ومِن الأسباب والأعذار: أنَّ كفار قريش كانوا يؤخرون الحج في كل سنة يؤخرونه شهرًا، فوافق الحج سنتين في محرم، ثم بعد ذلك سنتين في صفر، وهكذا، وهذا هو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37].

ولم يوافق الحج شهر ذي الحجة إلا في حجة الوداع، أما في السنة التاسعة فإنه كان في ذي القعدة، ويدل لذلك ما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «استدار الزمان وعاد كهيئته» أي لمَّا كان في ذي الحجة عاد كهيئته بأن كان الحج موافقًا شهر ذي الحجة، فدلَّ هذا -والله أعلم- أنَّ حجَّ أبي بكر -رضي الله عنه- في السنة التاسعة لم يكن واجبًا، وإنما كان مستحبًّا لأسبابٍ، منها أن ينهى الناس عن أمورٍ ومنها ألا يطوف بالبيت عريان.

فإن قيل: لماذا لم يُرجِع النبي ﷺ الحج في السنة العاشرة ونقله، بدل أن يتركه إلى السنة العاشرة وأن يوافق ذي الحجة؟

يقال: السبب في ذلك أنه ﷺ راعى المصلحة.

وأخيرًا مما يدل على أنَّ الحج واجبٌ على الفور -وهذا هو الأهم وأنَّ ما عدا ذلك من فعله ﷺ إنما كان لعذر- ما أخرج البيهقي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: ليَمُت يهوديًّا أو نصرانيًّا -ثلاث مرات- رجلٌ كان ذا جَدَة وخُليت له السبيل ولم يحج. وصحح الأثر ابن حجر -رحمه الله-، وقال ابن تيمية: وليس لعمر مُخالف. فهذا يدل على أنَّ الحج على الفور، فيجب علينا أجمعين أن نُبادر إلى الحج وألا نُؤخره ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

463_3


Share This Content:
0