التشاؤم


الحمد لله على حلو القضاء ومره ، لا مُعقِّب لحُكمه ولا رادَّ لأمره ، وكل شيءٍ بقضائِه وقدَره، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِه. أما بعد،

عباد الله :أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا فمن اتقاه وقَاه، ومن توكَّل عليه كفَاه.

أمة الاسلام : إنَّ أصلَ الدِّينِ الذي بَعثَ اللهُ به أنبياءه إخلاصُ العمَلِ للهِ وحدَه لا شرِيكَ له: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )

وإن من أعظمِ فوائدِ ذلكم التوحيدِ الصادقِ في هذه الدُّنيا السعادةَ والأمنَ والاهتداءَ، الذي يجدُه المؤمنُ المحقِّقُ لتوحيدِه، يقول جل وعلا:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)  .

ولهذا جاءت الشريعة بدفعِ كلِّ مؤذٍ ومنغصٍّ؛ فنهتْ عن أسبابِها، وحثَّت على كلِّ ما هو سببٌ للفلاحِ والنجاحِ؛ وشرعَت طُرُقُها، روى الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ويعجبني الفألُ». قِيلَ: وما الفألُ؟ قال:«الكَلِمةُ الطيِّبةُ» فإذا استبشرَ المؤمنُ بالكلمةِ الطيبةِ، وزادَه ذلك نشاطاً على الخيرِ ورغبة فيه، فذاك من مقتضى الطبيعة والفطرة التي فطر الله العباد عليها ، لكن ومع ذلك لا يبني المرء عمله وسيْره في مصالحه على فأل سمعه ؛ فإنه إن فعل ذلك دخل في ضربٍ من ضروب الطيرة المذمومة المنافية للتوكل على الله ، بل يمضي في حاجته بنشاط وهمة ، وثقته كلها بالله .

عباد الله : وإن مما ابتُلي به بعضُ الناسِ التَّشاؤمُ بالأيامِ أو الشُّهورِ، أو التشاؤمُ ببعضِ الأشخاصِ أو الحيواناتِ أو الأحداثِ، أو غيرِ ذلك، من المسمُوعاتِ أو المعلوماتِ أو المرْئِيَّاتِ، ولا شكَّ أن التَّشَاؤمَ بهذِه الأشياءِ، واعتقادَ أنها سَبَبٌ للشُّرورِ من الشِّركِ الذي يُذهِبُ الإيمانَ، وينكِّدُ على المرْءِ حياتَه، ويَلحقُه الضِّيقُ والكدَرُ فيها، بلا سببٍ شرعيٍّ ولا مسوِّغٍ حقيقيٍّ.

وأصل ذلكم من أعمالِ الجاهليةِ، فقد كانوا يتعلقون بحركات الطير وأصواتها وهيئاتها ؛ فيتشاءمون من بعض أصواتها ، أو بعض حركاتها ، أو بعض أصناف الطير ؛ مما يجعل الواحد منهم ينثني عن حاجته ولا يقوم بمقصده عند حصول هذا التشاؤم له ، فإن كان يريد سفرا رجع عنه ، وإن كان زواجا نكف أو تكدر منه الى غير ذلك من المصالح المتعلقة به .

فجاءت شريعتنا الإسلامية بتحريم ذلك ومنعه ، ففي السنن باسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الطيرةُ شِركٌ، الطِّيرةُ شركٌ» وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم:«لا عَدْوى ولا طِيَرةَ ولا هامَّةَ ولا صَفَرَ» فنفَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما كان يعتقِدُ أهلُ الجاهليةِ من العَدوى أن الشيءَ يعدِي بنفسِه، دون تقديرِ اللهِ تعالى، ونفى ما كانوا يعتقدونَه من التشاؤمِ بالطُّيورِ وبعض الشهورِ، كشهرِ صفرٍ أو غيرِ ذلك من الأمورِ.

عباد الله : إن ما يجدُه المرءُ من كراهةٍ للشيءِ بسببِ التشاؤمِ والتطيرِ، إنما هو وهْمٌ يجدُه في نفسِه، فلا يجوزُ الالتفاتُ إليه، ففي صحيحِ مسلمٍ أن معاوية بن الحكم  رضي الله عنه سألُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ومِنَّا أناسٌ يتطيَّرون؟ فقال: «ذاك شيءٌ يجدُه أحدُكم في نفسِه فلا يَصدَّنَّكم» أيْ: عمَّا أردْتُم وقصدْتُم من الأعمالِ، وروى أبو داود (3919) عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه سُئِل عن الطِّيرةِ، فقالَ: «لا تَردُّ مسلماً، فإذا رأى أحدُكم ما يَكرَهُ فليقل: اللهمَّ لا يأتي بالحسَناتِ إلا أنتَ، ولا يدفعُ السيئاتِ إلا أنت، ولا حولَ ولا قوة إلا بك» فمن استجابَ لهذه الظُّنونِ الكاذبةِ، والأوهامِ الفاسدةِ، التي يلقيها الشيطانُ في قلبِه بسببِ التشاؤمِ، فقد وَقَعَ في الشِّركِ، فليتُبْ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وليَمْضِ في عمَلِهِ، وليقلْ: اللَّهمَّ لا خيرَ إلا خيْرُك، ولا طيرَ إلا طَيرُك، ولا إلهَ غيرُك، فإن الطِّيرةَ لا تدلُّ على الغيبِ .

وإن مما يدخل في الطيرة مما هو دارج عند كثيرين وإن كانوا قد لا يقصدون ذلك إلا أن الواجب تركها: كقول بعضهم: (خير يا طير)، للشيء الطارىء أو الجديد ، أو قول بعضهم للمسافر: (على الطائر الميمون) ، والتشاؤم بحركة العين أو طنين الأذن ، كذلك اعتقاد بعض العوام أنه إذا سمي باسمه أحد من أولاده أو أحفاده أنه سبب لموته ، ومثله استفتاح بعضهم بالبيع على أول زبون يأتيه

 أول النهار؛ لاعتقاده أن رده شؤم.

نسأله سبحانه أن يباعدنا عن الشرك وذرائعه ، أنه سميع مجيب .

أقول ما سمعتم …

 

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده …

عبادَ اللهِ : تحقيق الايمان بصِدْقِ الاعتمادِ على اللهِ، في جلبِ كلِّ خيرٍ، ودفعِ كلِّ ضرٍّ ،﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ومما هو شائع عند أهل الجاهلية ضعف التوكل على الله، لذا توهَّموا أسبابًا ضارة فتشاءموا وتطيَّروا بها وتركوا مصالحهم لأجلها، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فجعلوا أسبابا وهمية وتعلقوا بها كالتطير بسماع صوت الغراب، أو رؤية أعور أو أعرج، أو سماع بعض الأسماء، ومن ذلكم شهركم هذا شهر صفر ، وقد أبطل هذا الإسلام؛ لأن شهر صفر ليس سببًا حقيقيًا لحصول أضرار أو مصائب، ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا صفر ولا هامة» ومن آثار هذا التشاؤم الجاهلي أن بعض الناس أراد أن يرد الداء بداء مثله فسماه: صفر الخير. وهذا خطأ، فلا يُقال صفر الخير ولا الشر، وإنما هو كبقية الشهور.

رزقنا الله جل وعلا أجمعين حُسن الثقة به وتمام التوكل عليه ، وأصلح لنا أجمعين شأننا كله إنه ولي التوفيق والسداد لا شريك له جل في علاه .

اللهم أعز …. وأذل ….. ودمر ….

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم عليك بأعداء الدين ياقوي ياعزيز،

اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ علينا أمننا ووحدتنا ، اللهم وفق ولي أمرنا وولي عهده لكل خير، وارزقهما بطانة صالحة ناصحه وأبعد عنهما بطانة الشر والسوء يارب العالمين، ربنا احفظ إخواننا العساكر ورجال الأمن المرابطين في كل مكان اللهم اشف مرضاهم وارحم موتاهم واجزهم خير الجزاء .

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


شارك المحتوى:
0