اعتزل ما يؤذيك


اعتزل ما يؤذيك

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فقد روى الإمام البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «اعْتَزِلْ مَا يُؤْذِيكَ، وَعَلَيْكَ بِالْخَلِيلِ الصَّالِحِ وَقَلَّمَا تَجِدُهُ، وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ». أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (8996).

وقد اشتهر من هذه الوصية قوله: «اعتزل ما يؤذيك»، حتى صار شعارًا يتداوله كثير من الناس في علاقاتهم الأسرية والاجتماعية والوظيفية، ويتخذونه قاعدةً عامة في البقاء أو الانقطاع، والمخالطة أو الاعتزال، دون نظر إلى مقاصد الشريعة، ولا إلى موازين المصالح والمفاسد، ولا إلى ما أوجبه الله من الحقوق والواجبات.

وهذه الكلمة ليست مردودةً بإطلاق، كما أنها ليست مقبولةً بإطلاق؛ فقد يكون الاعتزال عبادةً إذا كان فرارًا بالدين من الفتن، وقد يكون حكمةً إذا رجحت مفسدة المخالطة وتعذر الإصلاح، وقد يكون وسيلةً إلى الفرار من الواجبات، أو ذريعةً إلى التقصير في الحقوق والمسؤوليات، أو انعكاسًا لتأثير الفلسفات الفردانية الغربية التي تجعل راحة الفرد ورغباته هي المعيار الأعلى في قراراته ومنها بناء العلاقات أو قطعها.

ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى رد هذه العبارة إلى ميزان الشريعة، وبيان ضوابطها الصحيحة، حتى لا يُترك واجب أو يُرتكب محرم بحجة دفع الأذى، وحتى لا يصبر المسلم على ما يفسد دينه ودنياه بأن يغلب ضرر الصبر ومفسدته على مصلحته.

فالشريعة لا تجعل مجرد الأذى سببًا للاعتزال، كما لا تجعل مجرد احتمال المشقة سببًا للمخالطة، وإنما تجعل الميزان هو تحقيق المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، وفق هدي الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.

وفيما يأتي بيان لأهم الضوابط الشرعية التي يُفهم بها قول عمر رضي الله عنه: «اعتزل ما يؤذيك».

أولاً: اعتزل ما يؤذي دينك وآخرتك

أعظم ما يُشرع للمسلم اعتزاله هو كل ما يفسد دينه، أو يضعف إيمانه، أو يبعده عن طاعة ربه؛ كالشرك، والبدع، والمعاصي، وصحبة السوء، ومواطن الفتن التي يُخشى معها على الدين. فهذا هو الاعتزال الذي جاءت الشريعة بالحث عليه، لأنه يحفظ أعظم الضروريات، وهي حفظ الدين، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون واجبًا إذا تعين طريقًا لدفع الفتنة وصيانة الإيمان.

قال تعالى على لسان خليله إبراهيم عليه السلام:

﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48].

وقال النبي ﷺ:

«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ». رواه البخاري.

فإذا تعارضت سلامة الدين مع سلامة الدنيا، أو مع راحة النفس، فإن المسلم يقدم سلامة دينه على كل شيء؛ لأن خسارة الدنيا يمكن تعويضها، أما خسارة الدين فهي أعظم الخسائر.

ثانياً: المعيار الشرعي للاعتزال

المعيار الشرعي في الاعتزال ليس مجرد وجود الأذى أو الألم، بل أن تكون مفسدة المخالطة أكبر من مصلحتها. ومصلحة الاعتزال أكبر مفسدته، فليس كل ما يؤلم أو يشق يُعتزل؛ لأن الصلاة، وبر الوالدين، والدعوة إلى الله، والإصلاح بين الناس، وتربية الأولاد، وطلب العلم، وسائر الواجبات قد يصاحبها شيء من الألم أو المشقة، ومع ذلك فهي من أجلِّ القربات.

قال الله تعالى: ﴿أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَعلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنكُم وَيَعلَمَ الصّابِرينَ﴾ [آل عمران: 142]

فالنفوس غالباً ترتاح لترك الواجب لما فيه من المشقة، وتشتهي قطع العلاقات لأن إصلاحها يحتاج إلى صبر ومجاهدة، وتكره النصيحة لأنها مؤلمة، وتستثقل معالي الأمور لأن الطريق إليها شاق. أما المسلم العاقل فيزن الأمور بميزان الشرع، فيقدم المصلحة الراجحة على راحة النفس، ويحتمل الأذى إذا كان وسيلة إلى خير أعظم، ويعتزل إذا غلبت المفسدة وتعذر دفعها.

قال تعالى:

﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

وقال تعالى:

﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

وقال النبي ﷺ:

«لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ». رواه مسلم. يفرك: أي يبغض ثم يترك.

فليس المعيار إذن: ما يوافق هوى النفس أو يريحها، وإنما ما يرضي الله تعالى ويحقق المصلحة أو يزيدها ويدرأ المفسدة أو يقللها.

ثالثاً: اعتزل الفتنة والضرر، ولا تعتزل الواجب والمسؤولية

ففرق كبير بين من يعتزل حفاظاً على دينه، وطلباً لسلامة إيمانه، وبين من يعتزل فراراً من واجباته أو طلباً لراحة نفسه وهواها. 

فالأول مأجور إذا خشي على دينه أو عجز عن دفع الفتنة، أما الثاني فمفرط إذا جعل الاعتزال وسيلةً لترك ما أوجب الله عليه، أو ارتكاب ما حرم عليه.

فإذا أدى الاعتزال إلى ترك الجمعة والجماعات، أو عقوق الوالدين، أو قطيعة الرحم، أو تضييع حقوق الزوج أو الزوجة أو الأولاد، أو التخلي عن المسؤوليات المشروعة، فإنه لا يكون اعتزالاً مشروعاً؛ لأن الواجبات الشرعية لا تسقط بمجرد حصول الأذى أو المشقة.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك قول الله تعالى في شأن الوالدين المشركين:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

فأمر الله تعالى المسلم أن يعتزل فتنة الشرك، فلا يطيع والديه فيها، مع بقائه قائماً بحقهما من الصحبة بالمعروف، فدل ذلك على أن الاعتزال المشروع يحفظ الدين، ويدفع الفتنة والضرر، ولا يؤدي إلى تضييع الأمانات والحقوق.

فليس المقصود من الاعتزال الفرار من المسؤوليات، وإنما اعتزال الفتنة مع الثبات على أداء الواجبات.

رابعاً: الأصل السعي في الإصلاح قبل الاعتزال

فالأصل في العلاقات الأسرية والاجتماعية والوظيفية السعي في إزالة أسباب الخلل، وإصلاح ما فسد، قبل اللجوء إلى الهجر أو الاعتزال، متى كان الإصلاح ممكناً وراجح المصلحة. 

فالزوجان، والأقارب، والجيران والأصدقاء مأمورون بالسعي في الصلح، والتناصح، والعفو، والإحسان، لا أن يكون الانقطاع أول الحلول عند أول خلاف أو أذى.

فإن تعذر الإصلاح، أو غلب على الظن أن استمرار المخالطة يزيد المفسدة، شُرع من الاعتزال بقدر ما يدفع الضرر، دون تعدٍّ أو ظلم.

قال تعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنَهُمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].

وقال تعالى:

﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خافَت مِن بَعلِها نُشوزًا أَو إِعراضًا فَلا جُناحَ عَلَيهِما أَن يُصلِحا بَينَهُما صُلحًا وَالصُّلحُ خَيرٌ﴾ [النساء: 128]

فدل ذلك على أن الشريعة تجعل الإصلاح هو الأصل، ولا تنتقل إلى الاعتزال إلا عند تعذر الإصلاح أو رجحان المفسدة.

خامساً: مخالطة الناس والصبر على أذاهم هي الأصل، والاعتزال علاج واستثناء.

الأصل في المسلم أن يخالط الناس في الخير، ويؤدي حقوقهم، ويصبر على ما يقع منهم من نقص أو أذى، لا أن يجعل الاعتزال والانسحاب منهجاً دائماً في حياته. وإنما يُشرع الاعتزال عند وجود فتنة لا يستطيع دفعها، أو مفسدة راجحة لا يقدر على تقليلها، أو ضرر ظاهر لا يمكن دفعه مع استمرار المخالطة.

قال تعالى:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71].

وقال النبي ﷺ:

«الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». رواه أحمد.

فمخالطة الناس مع الصبر على أذاهم وبذل الخير والإحسان لهم أكمل وأولى، أما الاعتزال فاستثناء يُلجأ إليه عند رجحان المفسدة، لا قاعدة تُبنى عليها العلاقات بين المسلمين.

سادساً: فرْقٌ بين الأذى العارض والأذى المستمر.

فليس كل أذى سبباً مشروعاً للاعتزال؛ فالناس مجبولون على الخطأ والتقصير، والعلاقات الإنسانية لا تخلو من زلات، أو سوء فهم، أو تقصير، ولو جعل الإنسان كل أذى سبباً لقطع العلاقة، لما بقيت علاقة بين زوجين، ولا والد وولده، ولا أخ وأخيه، ولا صديق وصديقه؛ لأن الكمال ليس من شأن البشر.

ولهذا كان من الحكمة التفريق بين الأذى العارض الذي هو من طبيعة الحياة، ويُعالج بالصبر، والعفو، والتغافل، والسعي في الإصلاح، وبين الأذى المستمر الذي تغلب مفسدته، ويتعذر دفعه أو تخفيفه، فحينئذٍ قد يُشرع الاعتزال بقدر ما يندفع به الضرر.

وقد أحسن الشاعر إذ قال:

إِذَا كُنْتَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ مُعَاتِبًا

صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لَا تُعَاتِبُهْ

فَعِشْ وَاحِدًا أَوْ صِلْ أَخَاكَ فَإِنَّهُ

مُقَارِفُ ذَنْبٍ مَرَّةً وَمُجَانِبُهْ

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرَبْ مِرَارًا عَلَى الْقَذَى

ظَمِئْتَ وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُهْ

وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا

كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ

فليس من الحكمة أن تُهدم العلاقات بالهفوات، كما أنه ليس من الحكمة أن يُستسلم للضرر المستمر الذي تغلب مفسدته على مصلحته؛ وإنما العاقل الذي يزن كل علاقة بميزان الشرع، فيصبر حيث يكون الصبر فضيلة، ويعتزل حيث يكون الاعتزال مصلحة.

سابعاً: اعتبار المآلات والعواقب.

من فقه المسلم أن ينظر إلى مآلات أفعاله وعواقبها قبل الإقدام عليها؛ فليس كل ما يحقق راحةً عاجلة يكون خيراً في مآله، فقد يورث اعتياد الاعتزال ضعفاً في الشخصية، أو هشاشةً نفسية، أو عجزاً عن تحمل المسؤولية، حتى يصبح الانسحاب هو الحل عند كل خلاف أو مشقة.

ولهذا أمر الله تعالى بالنظر إلى العاقبة، وجمع للمؤمن بين قوة التحمل وحسن المآل، فقال سبحانه:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ۝ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35].

فتأمل كيف ربط الله بين الصبر، وحسن التعامل مع الأذى، والإحسان إلى المؤذي، وبين انقلاب العداوة إلى مودة، فدل ذلك على أن احتمال الأذى في موضعه قد يثمر من المصالح ما لا يثمره الاستعجال بالهجر والاعتزال.

وقد كان النبي ﷺ أعظم الناس نظراً إلى العواقب؛ فقد لقي من قومه من الأذى ما لم يلقه أحد، ومع ذلك لم يدع عليهم، بل صبر واحتسب، ورجا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً، فكان كما رجا صلى الله عليه وسلم.

أما من اعتاد الهروب من كل مشقة، فإنه يلجأ إلى قطع كل علاقة تحتاج إلى صبر وجهد طبيعي لدوامها أو إصلاحها، ثم قد يحتج بعبارة: «اعتزل ما يؤذيك» ليغطي بها ضعف شخصيته أو هشاشة نفسيته.

فالمسلم العاقل لا ينظر إلى راحة لحظة زائلة، وإنما ينظر إلى عاقبة حال دائمة، ويختار ما كانت مآلاته أبعد عن المفسدة وأقرب إلى المصلحة في دينه ودنياه، وأرضى لربه ومولاه.

ثامناً: إياك وفخ الأنانية الفردانية الغربية المتطرفة. 

والفردانية الغربية المتطرفة هي: نظرية تجعل (الفرد) ورغباته هو المرجع الأول في تقرير ما يراه حقاً وخيراً ومصلحة، فيُقدِّم حريته ورغباته وتحقيق ذاته على حساب الدين والمجتمع. 

فلا يجوز أن تتحول عبارة «اعتزل كل ما يؤذيك» إلى مبرر لعقوق الوالدين أو إهمال الزوج أو الزوجة أو الأولاد وقطيعة الرحم، ورفض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو جعلها وسيلة للتكبر على الحق وأهله، أو للتخلص من الواجبات الدينية والأسرية والاجتماعية؛ باسم الحرية الشخصية والرغبة النفسية، والاستقلالية الذاتية.

فإن هذا يوافق التصورات الفردانية الغربية المتطرفة التي تجعل راحة الفرد ورغباته وشهواته مقدمةً على الدين والأسرة والمجتمع وفوق الحقوق والواجبات، 

وتجعل رغبات الفرد هي المرجع الأعلى والمعيار الأسمى في بناء العلاقات أو قطعها. 

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 61]. وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71]. وقال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». رواه مسلم. 

فالنصيحة الصادقة ليست أذىً يجب اعتزاله، والنقد النافع ليس اعتداءً على الذات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس تدخلاً في الأمور الشخصية وخرقاً للخصوصية، كما أن الحقوق لا تسقط لمجرد أن أداءها يخالف هوى الفرد أو يحد من رغبات النفس وشهوتها. 

وقد أخذ بعض المتأثرين بالفردانية هذه العبارة بغير قيد وأضافوا لها غيرها مثل:

 1- لا تثق بأحد.

 2- نفسك أولاً. 

3- كل الذين قطعت علاقتي بهم؛ هم من ناولوني المقص لقطع تلك العلاقة!! 

4- اختر نفسك وحررها من الآخرين. 

5- لا أحد يحبك غير نفسك. 

6- لا تضح لأجل أحد فلن يضحي أحد من أجلك. 

7- لا يوجد أحد يستحق غير نفسك. 

8- لا تحب إلا نفسك. 

فأفرزت هذه العبارات -بلا ضابط – مسوخاً فردانية: ذكورية ونسوية مصابة بعبادة الذات وشهواتها، وأمراض الكبر والأنانية الشيطانية فظهر فيهم إهمال الوالدين ورميهم إلى دور العجزة، واستبدال الخليلات بالزوجات، ورمي الأولاد إلى الشارع أو إهمالهم، إذا بلغوا الثامن عشرة، والحجة واحدة: عبادة الذات وراحتها عن كل ما يكدرها، والتي تسربت إلى بعض أبناء وبنات المسلمين والعياذ بالله، وأما المسلم العاقل فيعلم أنه في هذه الدنيا في دار اختبار، وأن عليه واجبات ومسؤوليات، وأنا قراراته واختياراته مبنية في الأساس على رضى ربه ومولاه، لا على راحته وهواه، وأن ما فاته في الدنيا إن احتسبه وصبر عليه، 

فإن الله يعوضه ويجزيه الجزاء الأوفى. 

تاسعاً: رسالة إلى حراس التوحيد، وحماة السنة المرابطين على ثغور الإسلام.

إذا جاز لبعض الناس أن يضيق دائرة مخالطته طلباً للسلامة أو دفعاً للأذى، فإن أهل العلم والدعوة والإصلاح والتربية ليسوا كغيرهم؛ فإن الله اختارهم لتبليغ دينه، واصطفاهم لحمل رسالة نبيه ﷺ، وشرفهم بالسير على هديه وهدي أصحابه رضي الله عنهم.

ولهذا خاطب الله نبيه ﷺ مسلياً له ومثبتاً لقلبه، فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 34].

فهذه سنة ماضية لا تتبدل؛ ولا تتحول، ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحويلًا﴾ [فاطر: 43] فطريق الدعوة محفوف بالمشقة، مقرون بالصبر، مختوم بالنصر.

وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ:

«هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أُحد؟»

فذكر لها ما لقيه يوم الطائف من التكذيب والإعراض والإيذاء، حتى جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال ﷺ:

«بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا». متفق عليه.

الله أكبر: لم يصد النبي ﷺ ظلام الحاضر، بل تجاوزه بنور البصيرة إلى أمل المستقبل؛ ولم تصده مرارة الواقع، بل تجاوزها بالرجاء فيما عند الله، فصبر وجاهد، فحقق الله له ما رجا، ودخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجاً.

فيا حماة التوحيد الدين، وحراس السنة المرابطين على ثغور الإسلام:

لا يحملنكم أذى الناس على اعتزالهم؛ ولا تردنكم المشقة عن مخالطتهم، فإنكم في طريق الأنبياء، تسيرون، وعلى خطاهم تمشون ولآثارهم تقتفون، وأبشروا بعد ذلك بوعد الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] جعلنا الله جميعاً منهم في الدنيا والآخرة.

الخاتمة والخلاصة:

ليست المشكلة في قول «اعتزل كل ما يؤذيك»، وإنما في إطلاقها بغير ضابط، وجعلها حكمةً عامة تُبنى عليها العلاقات والمواقف. 

فالمسلم العاقل لا يعتزل ما يؤذيه بإطلاق، ولا يخالط ما يوافق هواه بإطلاق.

بل يعتزل ما يضر دينه أو تغلب مفسدته على مصلحته ولو أحبه.

ويخالط ما شُرع له وما تغلب مصلحته على مفسدته ولو كرهه.

محتسباً الأذى والمشقة لله، وراجياً الإصلاح في الدنيا والثواب في الآخرة.

جعلنا الله من عباده الذين قال فيهم ﴿وَالَّذينَ صَبَرُوا ابتِغاءَ وَجهِ رَبِّهِم وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقوا مِمّا رَزَقناهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدرَءونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُم عُقبَى الدّارِ ۝ جَنّاتُ عَدنٍ يَدخُلونَها وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِم وَأَزواجِهِم وَذُرِّيّاتِهِم وَالمَلائِكَةُ يَدخُلونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بابٍ ۝ سَلامٌ عَلَيكُم بِما صَبَرتُم فَنِعمَ عُقبَى الدّارِ﴾[الرعد: 22-24] 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه:حمد بن عبدالعزيز العتيق

المدينة النبوية

حرسها الله وبلاد المسلمين


شارك المحتوى:
0