أصبح بعض طلاب العلم لا يُبالون عمَّن يأخذُ عنه العلم، أو عمَّن يدعوه في بلده للدعوة، وذلك بحُجة أننا في زمن فتنة ما مِنَّا أحدٌ إلا وهو متهم في المنهج


يقول السائل: أصبح بعض طلاب العلم لا يُبالون عمَّن يأخذُ عنه العلم، أو عمَّن يدعوه في بلده للدعوة، وذلك بحُجة أننا في زمن فتنة ما مِنَّا أحدٌ إلا وهو متهم في المنهج.

الجواب:

إنَّ مِن المعلوم أنَّ العلم دين، كما أخرج الإمام مسلم في مقدمة صحيحِه عن التابعي الجليل محمد بن سيرين -رحمه الله تعالى- أنه قال: “إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم”.

وهذا يتأكَّد في زمن الفتن وكثرة الشرور وكثرة دعاة الباطل، وكثرة الذين يُظهرون بأنهم دعاة الحق وهم ليسوا كذلك، فينبغي في مثل هؤلاء ألا يُؤخذ العلم عنهم إلا بعد التثبُّت بأنهم أهل هدى وعلى صراط مستقيم.

فالتساهل في زمن الفتن خطأ، بل المفترض في زمن الفتن أن يُشدد أكثر؛ لأنَّ الحاجة تدعو إلى ذلك أكثر وأكثر.

لكن أُنبِّه إلى أمر: أنه لا يشترط في قبول العلم عن رجل معيَّن أن تكون عنده تزكية، فقد حصلَ مبالغة من بعض إخواننا فقرَّر أنه لا يُؤخذ العلم عن أحدٍ إلا أن يكون مُزكَّى من عالمٍ موثوق، ونحو ذلك، وهذا خطأ، وإنما العلم لا يُؤخذ إلا عن موثوق.

ومن طرق معرفة أنَّ هذا الرجل على طريقة مستقيمة وأنه موثوق: تزكية العالم الموثوق، فإذا زكاه عالم معتبر أو من أهل علم، أو زكاه رجلٌ موثوق، فإنَّ هذا من الطرق التي يُعرَف بها أنَّ الرجل على صراط مستقيم، لكن لا يُحصَر الأمر في هذا.

ومن الطرق أيضًا أن يشتهر الرجل بأنه على صراط مستقيم، وأنه على السنة، وأن يُعرَف بأنَّ أصحابه كذلك، أي أنه يُجالس أهل السنة وهم مدخله ومخرجه، إلى غير ذلك من الطرق، لكن حصرُ هذا في التزكية خطأ.

وفي المقابل القول بأخذ العلم عن كل أحد خطأ، فلابد من التثبُّت، وأن نكون حذرين في أمر ديننا، إذا كنا في أمور دنيانا نتثبَّت وإذا أراد أحدنا أن يشتري شيئًا من أمور الدنيا تثبَّت هل هذا مناسب أو غير مناسب، فأمر الدين من باب أولى.

وظاهر ما ذكر السائل أنَّ هذا الأمر من ردَّة فعل لوجود مَن تشدَّد في الجرح وآذى إخوانه من أهل السنة، وفي المقابل وُجد أقوام أُصيبوا بردة فعل، ومن صور ردة الفعل ما سأل عنه السائل، أنه يقول نأخذ العلم عن كل أحد لأنه ما منا من أحد إلا وهو مُتَّهم.

وأُذكِّر بهذه المناسبة -إخواننا الأفاضل- أن يتقوا الله عز وجل، وأن يجعلوا دينهم مبنيًّا على الدليل الشرعي واتباع السلف الصالح حتى ينجوا، وألا يجعلوا الدين مبنيًّا على ردود الأفعال، إذا وُجد من شدَّ يأتي في المقابل من يُسهِّل، وهذا خطأ، وكذلك إذا وُجد مَن سهَّل يأتي في المقابل من يشد ويغلو، وهذا خطأ، بل الواجب أن نكون على الصراط المستقيم بلا إفراط ولا تفريط، وأن نعلم أنَّ الشيطان حريصٌ غاية الحرص أن يُضِلَّ إخواننا وأن يزيغهم عن الصراط المستقيم، إما بغلو أو بجفاء.

روى العسكري عن الأوزاعي أنه قال: ما من أمرٍ أمر الله به إلا وكان للشيطان فيه نزغتان، إما إلى غلو أو إلى جفاء، ولا يُبالي بأيِّهما ظفرَ.

فالله الله إخواني بالثبات على الصراط المستقيم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153] وإيَّاكم واتِّباع السُّبل بردَّةِ فعلٍ بأن تتبع سبيل المسهّلين، ولا في المقابل أن تُقابل المُسهِّلين باتِّباع سبيل المتشدِّدين، بل كن متوسطًا بلا غلوٍّ ولا جفاء.

أسأل الله لي ولك وللمسلمين أجمعين الثبات على التوحيد والسنة.

379_1


شارك المحتوى:
0