يقول السائل: أشكلَ عليَّ أحكام الزكاة مع الدَّين، فأرجو تفصيله.
الجواب:
إنَّ للزكاة مع الدَّين أحكامًا، وهي مِن حيثُ الجملة شِقَّان، الشِّقُّ الأول يتعلق بالدَّائن، هل عليه أن يُزكِّي الدِّين الذي عند المَدين أم لا؟ والشِّقُّ الثاني فيما يتعلق بالمَدين، هل الدَّين يمنعهُ مِن الزكاة أم لا؟
أمَّا الشِّقُّ الأول وهو ما يتعلَّق بالدَّائن: فيقال إنَّ له حالين:
الحال الأولى: أن يكون المال عندَ مدينٍ متى ما شاء الدَّائن أخْذَهُ أخَذَهُ، بأن يكون المَدين مليئًا باذِلًا، فيوجد المال عنده ومتى ما طلب أعطاه إياه، فهذا -والله أعلم- يجب على الدَّائن أن يُزكِّيهُ، وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلَّام، والشافعي، والإمام أحمد في رواية.
ويدل لذلك ما ثبت عند أبي عبيد في كتابه (الأموال) عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال: إنَّ الصدقة تجبُ في الدَّين الذي لو شئت تُقاضيه من صاحبه الذي هو على مليء تدعه حياءً أو مُصانعةً، ففيه الصدقة.
وثبت ما يدل على ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كُلُّ دينٍ لكَ ترجو أخذه فإنَّ عليك زكاته كلَّما حالَ الحولُ. أخرجه أبو عبيد بإسنادٍ صحيح.
وقول عثمان وابن عمر -رضي الله عنهما- يُخالِف قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما سُئل عن الرجل يكون له الدَّين المظنون أيُزكيه؟ -أي الذي لا يرجو أخذه كما قال أبو عبيد- هل يُزكِّيه؟ قال: إن كان صادقًا فليُزكِّهِ لما مَضَى إذا قبضَهُ. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه (الأموال) بإسنادٍ صحيح.
وقول عثمان وابن عمر -والله أعلم- مُقدَّمٌ على قول عليٍّ؛ وذلك لأسبابٍ، منها أنَّ المُقرِضَ غيرَهُ مُحسِنٌ، فلو أنَّ رجلًا أقرضَ غيره قرضَ إحسانٍ، ثم المَدين لم يردُّه إلا بعد عشر سنوات، فإذا قيل لهذا المُحسن: إنَّ عليك زكاة عشر سنوات. وهذا فيه إضرار على المُحسن وفيه إغلاق لباب الإحسان أو تضييقه؛ وذلك أنَّ المُحسن تضرر من جهتين:
الجهة الأولى: أنه حُرِم ماله لمدة عشر سنوات.
الجهة الثانية: أنه زكَّى هذا المال، وهو لا يستفيد منه.
والأظهر -والله أعلم- أنَّ القول قولُ عثمان -رضي الله عنه- ومَن تبعده كعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
الحال الثانية: أن يكون الدَّين على مُعسرٍ، أو مليء غير باذِل -إي إذا طُلِبَ منه لا يعطيه لصاحبه- فهذا لا زكاة فيه، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في رواية، وعليه بعض الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
ويدل لذلك مفهوم المخالفة في كلام عليّ -رضي الله عنه- وكلام ابن عمر -رضي الله عنهما-.
هذا في الشِّق الأول فيما يتعلق بالدَّائن.
أمَّا فيما يتعلق بالمَدين، وهل إذا كان على المَدين دَينٌ، فهل هذا الدَّين يمنعُ المَدين أن يُزكِّي ماله؟ لنفرض أنَّ على رجلٍ خمسين ألف ريالٍ، هل هذا يمنعه أن يُخرِج الزكاة لأنَّ عليه دَينًا؟
إنَّ للمَدين حالَين:
الحال الأول: أن يكون المال مالًا ظاهرًا، أي أن يكون عنده بهيمة أنعام فيه زكاة السائمة، أو النباتات بأن يكون الخارج من الأرض والزكاة فيها في الحنطة والشعير والزبيب والتمر، على أصح أقوال أهل العلم، فهذا لا يمنع الدَّين الزكاة؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يُرسل السُّعاة لجلبِ الزكوات من بهيمة الأنعام من الإبل والغنم والبقر، ويُرسلهم لجلب الزكوات في النباتات، وما كان يأمر السعاة أن يسألوا الناس: هل عليكم دَين فلا نأخذ الزكاة أم ليس عليكم دَين؟
فدلَّ على أنَّ الدَّين ليسَ مانِعًا مِن الأموال الظاهرة، وهذا قول الحنفية وقول مالك والشافعي وأحمد في رواية.
الحال الثانية: أن تكون الأموال غير الأموال الظاهرة، كعروض التجارة ونحوها، فيكون الدَّين مانعًا للزكاة، فمَن كان عنده أموال مِن عروض التجارة وغيرها وعليه دَين، فإنَّ الدَّين يمنعُ الزكاة، لو كان على رجل دَين خمسون ألف ريال، فلا يزكي هذه الخمسين ألفًا.
لكن بشرط -وأرجو أن يُنتبَه لهذا- أن يُقال للرجل: إذا حال الحول فأنت ما بين أمرين، ما بين أن تقضي الدَّين وأن تردُّه إلى صاحبه وليس عليك فيه زكاة، أو ألَّا تقضي الدَّين فيجب عليك أن تُزكِّيه، هذا معنى قول أنه لا زكاة في مثل هذا المال؛ لأنه مُخيَّرٌ أن يردُّه إلى صاحبه.
ثبت عند مالك في الموطأ عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال: هذا شهرُ زكاتِكم، فمَن كان عليه دَين فليُؤدِّه حتى تحصل لكم أموالكم وتُخرجوا منها زكاتكم.
فأمرهم أن يُؤدَّوا الدَّين، فإذا أدَّوا الدِّين لم يُزكوه، وإلا فإنه يُزكي هذا المال، وثبتَ نحو مِن ذلك عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- فيما أخرجه البيهقي، هذا ملخص ما يتعلق بهذه المسألة.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.